سأذكر المشكلة الأولى التي كانت تواجهني ومنها أدركت عديد الأشياء.

التسويق الإلكتروني بيبذل قصارى جهده، ويتفنن في الحيل التي (تجذب انتباهك) بأي طريقة.. حتى بالإنجليزية يسمّونها (catchy).. يعني عنواين جذابة تشدّك وتنشلك مما أنت فيه.. صور وألوان جذّابة.. مقدّمة على هيئة قصّة أو حوار جذاب.. الفيديو وقته قصير يجذبك.. إعلان كوميدي جذاب.. أي شيء يجعل الزبون يتلفت ويُثار فضوله ويستسهل ضغطة الزر لكي يكمل.

الحقيقة برغم أنني أفهم ما ذكرته جيدًا، ومع ذلك أقع في فخه! لماذا؟

تفتح صفحة أمامك لتقوم بشيء معين، وبدون سابق إنذار تجد نفسك فتحت 30 صفحة بجانبها.. والفيديو الذي كنت تنوي أن تشاهده هو فقط، تكتشف أنك استغرقت أكثر من ساعة تشاهد فيدوهات أخرى لا علاقة لها بالفيديو الأول أصلًا!

تدخل «فيسبوك» بهدف معين، فتكتشف أنك سحلت في ألف موضوع أنت في غنى عنهم أصلا، زد على ذلك أن دماغك أصبحت مشوشة بعشرات الآلاف من المدخلات التي لا علاقة لها ببعض قد حُشيت بها قهرًا.

قدر الله لنا أن نولد في عصر تتصارع وتتنافس فيه ماكينة هائلة من الشركات الكُبرى على إنهم يستعبدوك بكل ما أوتوا من قوّة.. وكوكبة من المتخصصين النفسيين ليدرسوا تفكيرك وسلوكك ويعرفوا كيف يستغلوا كل احتياج عندك بأحقر شكل مُمكن.

فلو أنك نجيت من كم الصور الإباحية التي تعرض أمامك في كل زاوية.. ولم تقع في إدمان الإباحيات.. فيقترحون عليك هل تجرب معنا هذه اللعبة؟ فتصبح مدمن ألعاب.. ولا تقلق، ففي داخل اللعبة أيضًا سنحشر لك إباحية فإنك إن أدمنت شيء فلم لا تدمن شيئين؟

وباء منتشر وأنت في البيت تكلم نفسك؟ تجرب معنا (club house) وتسمّعنا صوتك؟ أو تكتب لنا رأيك في «فيسبوك»؟ أو تريد «تويتر»؟ أو تريد خصوصية أكثر؟ ما رأيك في «تليجرام»؟ فتصبح مدمن كلام لذات الكلام! والكلام وحب الظهور من أشد شهوات النفس !

أليس عندك مواهب ومعرفة ولديك ما لديك من الفراغ؟ تجرب معنا الترويح عن النفس وتغني وترقص وتصور مقطعًا بسيطًا على «تيك توك» وستأتيك مئات المشاهدات ونعطيك المال وتصبح «موديل»؟

تريد تضييع الوقت في كلام لا يسمع ولا يٌغني وتدردش لطلوع الفجر؟.. ما رأيك في «ماسنجر»؟ «واتساب»؟ «فايبر»؟

لم يعجبك هذا ولا ذاك؟ .. جرب معنا الأنستجرام وسنعقّدك ونكرهّك في حياتك؟

لا يعجبك شكلك وعينيك وحاجبيك ولون بشرتك وحبوبك؟.. ما رأيك في تشكيلة ال(filrte) التي ستحولك لعروسة (barbie) أو الى مسخ ليس له أي علاقة بالواقع؟ أصبحت قمر؟ عظيم، شاهد نفسك في الصور ثم انظر لنفسك في المرآة.. ثم شاهد صور صديقاتك في «إنستجرام» بنفس ال(filtre) ثم قم بتكسير المرآة.

لا تريد شقاء الطبخ اليس كذلك؟

مزاجك لا يسمح لك بالطبخ؟ 10 دقائق فقط وجبة فاست فود (fast food) من أحقر منتجات البشرية ليس لها أي طعم.. لكن سنقوم بنف الساندويتش ونحرقه في الإعلان ونصبغه بألوان صناعية حتى يسيل ريقك أول ما تراه وتجوع حتى لو كنت ممتلئ!

رمضان وشهر عبادة وشعرت والعياذ بالله أنك تريد أن تبتعد عن هذه الفوضى وتتفرغ للعبادة؟ وهل يعقل؟ سنهديك 50 مسلسلًا تغرق فيهم لا تستطيع أن تفيق منها!

وغير ذلك من الملهيات التي تسرق أعمارنا بسرعة الضوء والمشكلة إن خطورة ما سبق – للأسف الشديد – ليس لها نفس الاستهجان والاستنكار الاجتماعي الذي يكون تجاه إدمان المخدرات أو الخمرة وغيرها.. بل يوجد قبول عام لها، بل تشجيع لها أحيانًا دون مراعاة لأحوال الناس.. فالمدمن لما سبق هو محتاج وعي كبير ومجهود كبير حتى يعترف أصلًا إنه مُدمن وعنده مشكلة جادّة مدمّرة لحياته!

ومع ذلك نضحك على أنفسنا ونقول: كل شيء له منافع وأضرار، والسكين أداة تقتل وتقطع الفواكه.

الواقع الذي أراه إن كل باب جديد يفتح لنا مثل ما سبق ذكره لو كان فيه فايدة 20% فله 120% من الأضرار بلا أدنى مبالغة!

وغالبًا لن تنجو من هذه الأضرار.. وليس العيب فيك بالضرورة.. ولكن لأن (النظام/System) مُصمم باحترافية حتى يستعبدك إلى أجل غير مسمى بكل وسيلة ممكنة.

أذكر جملة مشهورة لويليام إدوردز مهندس أمريكي ودكتور في الرياضيات والفيزياء، يقول:

!(A bad system will beat a good person every time)

مهما كنت إنسانًا جيدًا.. النظام السيئ قادر على هزيمتك في كل مرّة!

أرجو أن نكون حريصين في التعامل مع هذه المدمرات.. لأن العبودية لم تنته ولن تنتهي! ولكن تتغير صورها فقط بمرور الزمن.. فأستمسك بحُريتك باستماتة مهما ضغطوا عليك.. وفرّ من كل شيء يجعلك عبدًا فرارك من الأسد!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد