الوجود الإنساني غير المستقل

كم نمارس العديد من السلوكيات ونختار أنماطًا للحياة بطريقة تؤكد عدم استقلالنا الفردي، بل تبعيتنا للآخرين على نحو غير واعٍ. ترى ذلك في طريقة اختيار البعض لأشكال ملابسهم، وهل هي تعجب الناس أو تعجب فلانًا أو فلانة أم لا؟ ومنه يخرج المَثَل المصري «كُل اللي يعجبك، والبس اللي يعجب الناس». كما تراه في حالة الإقدام على فعل ما أو ترك فعل آخر، فلا أستطيع أن أزوِّج ابنتي لمدرس أو محاسب، لأنني أنتمي لعائلة عريقة من القُضاة، كيف ستنظر العائلة إليّ إذا فعلت ذلك؟ ولا أستطيع أن أدافع عن زميلتي في الجامعة عند مزاح زملائنا غير اللائق معها، حتى لا يظنوا أن ثمة علاقة ما بيننا.

في الأمثلة السابقة يتخلى الإنسان عن جزء من قناعاته الشخصية أو يتجنب تطبيقها من أجل الآخرين. وفي حالات أخرى تذوب شخصية الإنسان ذوبانًا شبه كامل، وتطير أمام صرخة تيار شديد القوة وهو تيار «الجماهير»، فعندما يدخل الإنسان وسط جمهور ويكون واحدًا منهم يُمحى وجوده الفردي المميز، ويتحول إلى وجود جماعي له صوت واحد، وفكر واحد، وشعور واحد. يذكر جوستاف لوبون في مؤلفه «سيكولوجية الجماهير» الخصائص الأساسية للفرد المنخرط في الجمهور وهي: «تلاشي الشخصية الواعية، هيمنة الشخصية اللاواعية، توجه الجميع ضمن نفس الخط بواسطة التحريض والعدوى للعواطف والأفكار، الميل لتحويل الأفكار المحرض عليها إلى فعل وممارسة مباشرة»، ويقول بعد أن عدَّد تلك الخصائص: «وهكذا لا يعود الفرد هو نفسه، إنما يصبح عبارة عن إنسان آلي ما عادت إرادته بقادرة على أن تقوده». فالفرد المنخرط في الجمهور يتحول إلى «حبة رمل وسط الحبات الرملية الأخرى التي تذروها الرياح على هواها».[1] وتلك هي بعض نماذج الوجود الإنساني المُحتل من قبل آخرين، فكيف إذًا نحقق الوجود الإنساني الأصيل الحُر؟

اربح نفسك

يقول إنجيل مرقس على لسان السيد المسيح «ماذا تنتفع إذا ربحت العالم كله وخسرت نفسك؟»[2] إن السؤال يحوي الإجابة وهي «بالطبع لن أنتفع بشيء، وسأخسر كل شيء». بل إنني أكون فائزًا إذا ربحت نفسي حتى لو خسرت العالم كله. ربما تلك الإجابة التي أراد المسيح أن يُعلِّمها للذي تلقى منه هذا السؤال.

فبالرغم من أن الله قد خلق الإنسان للعيش بين أقرانه، فقد أخبره بأن ما يعمله هو سيُحسب له هو (فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (7) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ) و(كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ) لذا فعليه أن يمنح نفسه كل الاهتمام، تلك النفس التي (قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا (9) وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا). وفي يوم القيامة يتبرأ الإنسان من أقرب الأقربين إليه يومئذ (يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ (34) وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ (35) وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ (36) لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ)، وذلك لأن كل إنسان يؤتَى كتاب أعماله بيمينه أو بشماله، وليس أحد ينوب عن أحد في هذه المهمة.

إن هذه الآيات وغيرها التي تخاطب الإنسان بأنه ذلك الفرد المميز بين مجموعة أفراد إنما تدلنا على قيمة الوجود الفردي الأصيل، الذي إن حققه الإنسان حقق السعادة في الدنيا والنجاة في الآخرة. فكما قرأنا موقف لوبون بأن انخراط الإنسان بين الجماهير قد يؤدي إلى محو شخصيته، ومشاركته للآخرين في أعمال الخير أو الشر دون تفكير، فإن تحقيق الوجود الفردي الأصيل يعني صداقة الذات، والسير وفقًا للمبادئ التي وضعها صاحبها، وليس وفقًا لما يحب الناس، أو تبعًا لما هو شائع أو «موضة» سواء كانت شكلية أو فكرية. ولكن هل الفردية بهذا الشكل تبتر صلة الإنسان بواقعه ومجتمعه؟ وهل تحول الآخرين إلى أدوات لتحقيق هدفه فقط؟

اربح نفسك.. ولا تخسر العالم

للإجابة عن هذا السؤال دعنا نعُدْ إلى الحكمة الواردة في إنجيل مرقس «ماذا ينتفع الإنسان لو ربح العالم كله وخسر نفسه؟» فما معنى أن أربح نفسي؟ أرأيت إن شاهدت لصًّا يسرق أموال رجل أعمى في غفلة منه فأعرضت عن مساعدته خشية أن يصيبك مكروه إذا هاجمت اللص، أرأيت أنك بذلك تربح نفسك؟ أو صادف ومررت على منزل يحترق في منطقة نائية فقررت أن تبتعد بأكبر قدر ممكن عن موقع الحريق حتى لا تؤذى أنك بذلك تربح سلامتك ونفسك؟ إن كنت قد ربحت سلامتك، فإنك خسرت نفسك. فالفردية المذكورة لا تعني الأنانية، إنما هي تحقيق الإنسان لأكبر قدر من المكاسب لذاته بما فيها المكاسب الأخلاقية والرضا الإلهي وراحة الضمير، لأن هذا الفرد يمتد وجوده في عالمي الفناء والخلود.

لذلك تجد أن الشهداء الموتى أحياء، وأن الذي تخلى عن أمواله (أو أنفقها) إنما هو بذلك قد حصد محصولًا من السنبلات المُشبعات (مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِئَةُ حَبَّةٍ)، وأن الذي يرهق نفسه في إماطة الأذى عن الطريق يربح صدقة، حتى إنك ترى الأنبياء والزعماء ومعظم أبطال الروايات هم أشخاصًا يعانون حتى يربحوا صفة البطولة. باختصار، حتى تربح، فعليك أن تعطي وتبذل وتتنازل وتموت. أما إذا أخذت فقط وحاولت الاستحواذ على الدنيا في جيبك، دون الاكتراث باحتياجات الآخرين، فإنك بذلك تربح العالم كله إلا نفسك.

ولكننا إلى الآن لم نجب عن سؤال: ماذا يعني الآخر بالنسبة لي؟ هل هم أدوات لتحقيق فرديتي الفذَّة؟ أم هم أعضاء داخل دائرة وجودي الأصيل؟ هل يمكن أن يعتبر الإنسان بر الوالدين أداة لراحة ضميره؛ وبالتالي أداة لتدعيم وجوده الأصيل؟ بالطبع لا، ولكن…

الحب دون الانصهار

يدخل الإنسان في علاقة حب قوية مع الآخرين سواء كانوا أقاربه أو أشخاصًا غرباء. ودعنا نستخدم إحدى مفردات الشعراء لتوضيح الأمر وهي مفردة «الذوبان»، فالإنسان يذوب في أحبائه بسرعة كما يذوب السُّكر في مشروب ساخن فيكون موجودًا وغير موجود. تلك العلاقة لا تؤثر على وجود الإنسان المميز بين البشر، اللهم إلا إن سعت إلى التأثير على مبادئه أو توجيه قراراته، فإنك تُحب والديك أكثر من نفسك، ولكن (وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا) فلهذا الحب حدود وهي الحدود التي يؤدي تخطيها إلى هلاك الإنسان أو تهميشه بين الناس.

أشكال الوجود الفردي المُزيف

ثمة عدة أشكال من الوجود الفردي المزيف عليك تجنبها لأنها ستعيق وصولك إلى أهدافك، بل إنها ستعيق تفكيرك في تحديد أهدافك بدقة، لأنك تُقحم فيها أشخاصًا آخرين يُربِكونك بتداخل وجودهم مع وجودك الخاص.

  • مراقبة الآخرين: عندما يراقب الإنسان الآخرين ليتأمل بطولاتهم أو يتفقد أخطاءهم، ليعرف ما عليه فعله وما عليه تجنبه. ذلك الإنسان يخشى أن يقوم بعمل لا يقوم به الآخرين سواء كان عاديًّا أو فريدًا، صحيحًا أو خاطئًا.
  • السعي لهزم الآخرين أو محاولة إقناعهم بالتفوق عليهم: مثلما يتقدم أحدهم لخطبة فتاة فيرفضه أهلها، فيسعى إلى إقناعهم بأنه أفضل منهم ومن غريمه المنتصر عليه، وأنهم خسروا الكثير برفضهم له، حيث يجتهد في عمله حتى يحقق النجاح، لا من أجل ذاته، ولكن من أجلهم. تخيل لو أنه شعر بأنهم لم يكترثوا بنجاحه، فإنه سيعتبره هباء. وإن عضّوا على أناملهم من الغيظ فإنه سيكون أسعد الناس، فيعيش صاحبنا كأنه مُلقى به في الهواء، فلم يحط على أرضه أو على أرضٍ غريبة.
  • استنساخ الذات: حيث يجعل الإنسان نفسه نسخة من إنسان آخر، حيث يتخذه قدوة له لدرجة المطابقة، ولا أظن أن ذلك صحيح تمامًا، فالقدوة من شأنها أن تخبرني بأن التغلب على الواقع وتخطي مشكلاته أمر جائز. لكن الزمان والمكان قد يكونان مختلفين بيني وبين قدوتي، فلا يمكن أن أقاتل بالسيف والجواد مثل خالد بن الوليد، ولكنني أستطيع أن أظل منبهرًا بذكائه العسكري المُلهِم، وأن أسعى للحصول على مثل إخلاصه لنفس الدين الذي أنتمي إليه، أي أن أضيف خُلقًا جديدًا إلى قائمتي الخاصة.
  • الحقد والحسد: مثلما يُقحم الإنسان بيديه أشخاصًا آخرين في حياته، فإنه أيضًا يقتحم حياة آخرين يرى أن لديهم من المميزات ما يجعلهم أفضل منه، لذا يقف مكانه ويظل يرميهم بعين حاسدة أو بقلب حاقد، دون أن يتحرك أو يسعى إلى أن يصل أينما شاء، لعله يجد أفضل مما أعجبه في يد غيره.
  • الرياء: وهو أن تفعل الخير حتى يقول الآخرون إنك فعلته، وحتى تسمع من الآخرين كلمات استحسان أو ترى منهم نظرات إعجاب. وقد نهى الإسلام عن الرياء حتى يكون الإنسان في علاقة خالصة مع الله لا يدخل فيها إنسان آخر. لذلك وصف النبي ﷺ الرياء بأنه «الشرك الأصغر»، حيث يُعمَل العمل لله ولغيره في آن واحد، وفي ذلك خروج عن الميثاق المُبرم بيني وبينه بألا أشرك به شيئًا. نفس الميثاق نجده في الحياة الزوجية بألا يدخل بين الشريكين شريك ثالث. كذلك الفرد عليه أن يعقد ميثاقًا مع نفسه بألا يشاركه في حياته أحد.

—————————————————

وبالأخير، أنت هو أنت لا أحد غيرك، استمتع بالذوبان فيمن شئت، اقتدِ بمن شئت، ولكن لا تنسَ أنك قلب واحد وروح واحدة، وبالأخير ستقف أمام الله فردًا واحدًا في حضرة الملك، فضع في حسبانك أشخاصًا آخرين إن كانوا سيحضرون هذا اللقاء معك.

[1] سيكولوجية الجماهير، غوستاف لوبون، صـ60.

[2] إنجيل مرقس الإصحاح الثامن.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

أنت

المصادر

صورة المقال بريشة الفنان/ عمر عبد الحي
عرض التعليقات
تحميل المزيد