الجزائري يوسف بلايلي يوقع رسميًّا في نادي قطر القطري!

لم يبد الخبر مهمًّا للغاية بالنسبة للجزائريين، يوسف يغرق مرة أخرى في تجربة أقل بكثير مما يجب أن يكون عليه، لكن النبأ لم يخل من بعض الأهمية؛ فالتوقيع سيوفر مساحة للبقاء في المنافسة دون العودة إلى نقطة الصفر وخسارة أشهر أخرى كما اعتاد عليه ابن «الباهية وهران»، وفي الوقت الذي حمل فيه الموهبة بلايلي قلم التوقيع في قطر كانت الأنظار مصوبة نحو ابن رحمة الذي رفع أيضًا قلمه الكروي وقدم أول تمريرة مفتاحية منذ دخوله عالم الأضواء في البريمرليغ قبل نصف ساعة فقط، هنا الاختلاف وهنا الحسرة أيضًا؛ فساحر الغرب الجزائري استحق النجومية في أروقة الملاعب الأوروبية لكنه أضاعها مرارًا وتكرارًا وانتهى به المطاف بين جنبات دوريات أقل شأنًا، كما انتهى المطاف بعشاقه متحسرين على ما فاته من مشوار كان ليكون فخرًا له ولهم في النهاية، ولو أن بإمكان يوسف جعل ختام مشواره ساحرًا كما فعل جمال بلعمري وهو يُلامس العِقد الرابع حاملًا ومرتديًا قميص من نشَّط نصف نهائي دوري أبطال أوروبا، لكن الحسرة ستبقى دائمًا على ما فات، فالخِتام في المستوى العالي بامتداد سنوات من التألق، ليس مثل ختام مع سنوات ضائعة في دوريات لا تليق بمستوى الفتى الذهبي.

حالة بلايلي استثنائية حقًّا فهو أكثر أبناء جيله موهبة، أقلهم حظًّا، وأكثرهم سوءًا في تسيير مشواره. لذا فالغوص في مسيرته سيكون جيدًا لمن أراد رؤية التناقضات الكثيرة مجسدة في لاعب كرة قدم.

بِدايات مُبهِرة!

ولد يوسف بلايلي في 14 من مارس (آذار) سنة 1992 بمدينة وهران ومثل حال بقية الصِغار هناك كان عاشِقًا للكرة متيمًا بها، فبدأ مداعبتها في مدرسة رائد غرب وهران الذي فتح له الأبواب على مصراعيها للولوج إلى النادي الأول في المدينة، وأحد أعرق الفرق في البلد مولودية وهران، والذي تدرج في أصنافه وتألق بألوانه تألقًا لافتًا، قبل أن ينتقل للشرق الجزائري سنة 2009 ليلعب مع أهلي برج بوعريريج لموسم واحد فقط، ثم يعود لناديه مولودية وهران من بوابة الأكابر، موسمين من التميز داخل الملاعب الجزائرية سمحا له بارتداء قميص المنتخب الجزائري الأولمبي، وبدخول الأراضي التونسية من بوابة نادي الترجي أحد كبار القارة وسادتها، مع الترجي تألق بشكل لافت، صار محبوب الجماهير، وفاز بعديد الألقاب مع نادي الدم والذهب ووصل لنهائي دوري أبطال أفريقيا، قبل أن يقرر العودة للجزائر من بوابة اتحاد العاصمة الذي أغراه براتب هو الأغلى في تاريخ كرة القدم الجزائرية، بالإضافة إلى مشروع رياضي ضخم لا يُرفض، تألق أيضًا رفقة الاتحاد بل مارس السحر الكروي كما لم يمارس من قبل، صال وجال في الملاعب المحلية وتعداها للأفريقية صانعًا أفراح مئات الآلاف من أنصار اتحاد العاصمة الذين جعلوه الملك، وألفوا عنه الأغاني، وأسموه «عاشور العاشر».

المُنعرَج!

في السابع من أغسطس (آب) سنة 2015 وعلى هامش مباراة مولودية العلمة اتحاد العاصمة برسم دور المجموعات لدوري أبطال أفريقيا أرسلت الاتحادية الأفريقية لكرة القدم طبيبًا مصريًّا لجلب عيّنات للاعبين جرى اختيارهم بقرعة عشوائية، كان من بين العينات عيَّنة يوسف بلايلي، والتي أكدت الكاف في ما بعد أن بها بقايا لمادة الكوكايين المحظورة، بعد مدٍ وجزر كبيرين جرى التثبت و جاءت العقوبة قاسية عليه، الاتحاد الأفريقي يوقفه لعامين والاتحادية الجزائرية بسبب لقاء فريقه وشباب قسنطينة للسبب ذاته أيضًا بأربع، ليزداد موقفه سوءًا حين قرر الاتحاد الأفريقي لكرة القدم مضاعفة العقوبة بسبب عدم مثوله أمام لجنة الانضباط التابعة للهيئة الكروية، بلايلي بذل جهدًا كبيرًا لمحاولة النجاة من العقوبة أو التخفيض لينال ذلك بعد أن لجأ لمحكمة الرياضية الدولية التي خفضت عقوبته لعامين فقط.

«أريدك أن تحضِّرني، لأنني سأعود من جديد»!

كتب نجم الدين سيدي عثمان في كتابه «Var القصص السرية أبطال أفريقيا» الذي خصصه للنخبة الجزائرية المتوجة بالكأس الأفريقية في الأراضي المصرية «بعد عشرة أشهر على الصدمة، كان يذهب أيضًا إلى الشاطئ والقاعة فوصل إلى ثلاث ساعات ونصف وأربع أحيانًا في اليوم، تمارين منهكة بدنيًّا كما لو كان يتهيَّأ للعب كأس العالم، كان حنينه يشتد إلى الملاعب بينما ما تزال أمامه ثلاثة أعوام وشهران قبل العودة، يدرك جيدًا أن ابتعاد لاعب بسبب إصابة ما ستة أشهر عن ملاعب كرة القدم قد يرهن حظوظه في العودة، لكنه يتحلى بسلوك إنكاري عجيب».

وجاء النِداء للمدرب جمال سليني في ملعب الحبيب بوعقل بوهران أن التحضير قد بدأ لحياة كروية ثانية أكثر إشراقًا.

ملاعب الأحياء.. حياة كروية ثانية!

في الوقت الذي كان فيه زملاؤه يلعبون المقابلات الرسمية بشكل عادي، كان يوسف دائم الحضور في ملاعب الأحياء يلعب المباريات حينًا والدورات الكروية أحيانًا أخرى، ومن بين القصص الغريبة في مشوار فتى «وهران الباهية الذهبي» داخل الأحياء خلال فترة عقوبته قصَّ الكاتب نجم الدين سيدي عثمان في الكتاب ذاته أنه وفي سهرة رمضانية عام 2016 دُعي رياض محرز أفضل لاعب أفريقي في ذلك العام، وإسلام سليماني هدَّاف سبورتينج لشبونة لتكريمهما في مدينة وهران، كانت المراسيم مقرَّرة بملعب «مارفال» الجواري، واضطر اللاعبان برفقة عنتر يحيى، وكريم زياني لمشاهدة نهائي كأس دورة «راديوز» الذي جمع بين حيي «قمبيطة» و«بلاطو».
ومن حظهما أن المباراة لم تكن مملة، فقد استمتع الحُضور بمواجهة مثيرة، لفت فيها أحد اللاعبين الأنظار، لم يكن نجم المباراة الرمضانية في النهاية، والذي صنع الانتصار وأهدى الكأس الرمضانية للحي الذي ارتبط اسمه أكثر بالمغني المغدور الشاب حسني (قمبيطة) سوى يوسف بلايلي، أغلى لاعب في البطولة الجزائرية في صيف 2015 والموقوف منذ شهور وقتذاك بسبب استهلاك الكوكايين.
لقد شاهده زميلاه في المنتخب الوطني بكل أسف، وهو الذي لعب إلى جانبهما قبل وقت قليل بعد أن استدعاه الفرنسي «كريستيان غوركوف» لمباراتي قطر وسلطنة عمان، فقد انتهى المطاف بأمل الكرة الجزائرية الذي شُبِّه بلخضر بلومي إلى المشاركة في الدّورات الرمضانية التي تجمع لاعبي الأحياء!
وقتها لم يكن قد مضى عن عقوبته سوى تسعة أشهر، ومع ذلك كان مؤمنًا بأنه سيعود إلى الملاعب يومًا ما، حتى إنه انخرط أيضًا في فريق «رياضة وعمل» الذي شكَّله والده حفيظ دون أن يجد حرجًا في ذلك، فقد كان يعلم أنه بحاجة لألا يكتفي بتدريبات بدنية شاقة كما كان يفعل بجد، إنما هو أحوج إلى خوض مباريات، وإن اقتضى الأمر أن يكون في نادٍ واحد مع موظفين بدوام كامل يقضون نهايات الأسبوع في لعب مباريات للتنفيس وكسر الملل.
وهو يضُّمه إلى فريقه المتشكِّل من لاعبين بعضهم مسنُّون، سأله والده: «إنها أربعة أعوام، هل أنت واثق من مقدرتك على العودة إلى الملاعب؟» فرد يوسف: «أربعة أو خمسة أعوام لا يهم، سأعود يا أبي، سأعود!»، يقول والده الذي عقَّب وهو يروي هذه الحكاية : «لقد احْترت في أمر ابني!».

أنجي والترجي!

بعد انقضاء عامين على عقوبة يوسف بلايلي سارعت الأندية الجزائرية لمحاولة ضمه، فكان السباق حاميًا بين مولودية واتحاد الجزائر، وناديه الأصلي مولودية وهران، لكن في النهاية تمكن الرئيس الجزائري لنادي أنجي الفرنسي، سعيد شعبان، من إقناعه وضمه في صيف 2017، لكنه ضاق ذرعًا من ملازمة الاحتياط لنصف موسم لعب خلاله لقاءً وحيدًا فقط، فقرر ركوب أول طائرة إلى تونس، حين فتح له ناديه السابق ذراعيه إيمانًا بأنه سيعود كما كان وأكثر تميزًا أيضًا، وبالفعل قدم بلايلي موسمين أكثر من رائعين مع الترجي، تُوج من خلالها بلقبي دوري أبطال أفريقيا تواليًا ولقبي دوري أيضًا.

فضل جمال بلماضي لا يُنتسى!

فضل الرجال لا يُنتسى أبدًا، وهو حال يوسف بلايلي مع مدرب المنتخب الوطني الجزائري جمال بلماضي، الذي كان أبًا آمن بقدرات ابنه وجعله مؤمنًا بها أيضًا، وأخرج من المُنكسِر قبل حين وحشًا تسيَّد القارة الأفريقية رفقة المنتخب الجزائري، بل كان في مقدمة الصراع داخل الغابات الخضراء المصرية، مشوار مميز رفقة «الخُضر» توجه بلقب قاري جماعي كان يبدو مُستحيلًا قبل وهلة، ثم مرَّ ليحقق مجدًا شخصيًّا أيضًا بالتتويج بلقب اللاعب الأفضل للناشطين في القارة السمراء تلك السنة، وكأن جمال ساقه القدر ليهب ليوسف فرصة وإنجازًا تاريخيًّا تقديرًا وعرفانًا على محاولات العودة لمسح ذكريات الإخفاق في الماضي.

أين أنت من بلعمري؟

يومًا ما التقى يوسف بلايلي وجمال بلعمري في الدقائق العشرة الأخيرة بملعب غُرة نوفمبر بتيزي وزو حين اصطدم ناديه اتحاد العاصمة بنادي زميله لاحقًا في المنتخب الوطني شبيبة القبائل في البطولة الجزائرية، كان لقاءً داخل لقاء، وكانت كل الأنظار مصوبة نحوهما، فالثاني تحدى الأول بأنه يعرفه جيدًا، وأن لا مجال لإبداع بالرقم 10 حين يحظر السد بالرقم 25، لحظات فقط بعد دخول بلايلي حتى عبث بصديقه وأسكت المدرجات بمرتاديها وشلَّ الكل بالقمصان الصفراء، ممررًا رسالة أن لا أحد يعرفه حين تلتصق الكرة بين قدميه.

القصة أعلاه غير مهمة كثيرًا، رغم أنها توزاي في الشهرة عند ذِكر اسميهما معًا، مزاملتهما في المنتخب والتتويج باللقب القاري، لكن توقيع جمال بلعمري في ليون الفرنسي ويوسف بلايلي في قطر القطري يفتح بابًا واسعًا مليئًا بالتعجب على طريقة تسيير الثاني لمشواره في الوقت الذي سيَّره الأول بطريقة مميزة جعلته في صفوف منشط نصف نهائي دوري الأبطال رغم المشكلات مع فريقه السابق الشباب السعودي، والآخر في نادي قطر الذي يقبع أخيرًا في ترتيب الدوري القطري، بعد مشكلات كبيرة مع نادي الأهلي السعودي، والذي كان سيئة أيضًا حين فضله بسبب الإغراء المالي الكبير على عروض أوروبية مهمة جدًّا جاءته بعد التتويج بالكأس القارية في مصر.

مسيرة الجزائري يوسف بلايلي تدعو للاستغراب، التعجب، والتساؤل أيضًا: هل تكفي الموهبة فقط ليكون للاعب مشوار جيد بقدر ما يمتلكه؟!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد