أطفالنا لهم عالم تتجلى فيه الإنسانية بكل سماتها، تطوف براءتهم في فلك حياتنا لتبهجه وتأسره كل يوم بعبارات خلاقة، وسرعة بديهة صادمة، وإبداع منقطع النظير، هم متخصصون في إذهالنا وإدهاشنا فماذا نفعل نحن لإدهاشهم وإذهالهم؟ قد تكون قصة ما قبل النوم إحدى الأسلحة السحرية التي يمتلكها الآباء والأمهات لكسب انتباه الأطفال بشكل جيد، تربي وتؤثر وتصقل القيم وتحافظ على استمرار الخيال ومن ثم الإبداع لديهم، قصة ما قبل النوم ثورة حقيقية لإعادة توثيق علاقة الآباء بالأبناء، وبناء شخصيات إيجابية ممتلئة، نناقش في هذا المقال خطوات إدخال قصة ما قبل النوم إلى حياتنا بهدف المتعة، والبناء على حد سواء.

كخطوة أولى وبسيطة في هذا الطريق حاول أن تجلس مع أطفالك يوميًا لمدة قصيرة لا تزيد عن الربع ساعة مساء وهم على الفراش في حالة من الاسترخاء بلا واجبات أو أعباء، وفي أكثر فترة يشعرون فيها بالحرية لتنطلق معنا هنا ومعهم هناك في رحلة ما قبل النوم.

اقرأ لهم أي شيء، قصة، طرفة، حادثة لطيفة، ابدأ بقصص الأطفال الممتعة، بأحداثها الصغيرة، ومشاكلها البريئة، تحدث عن أرنوب الموهوب الذي يرغب في العيش وحيدًا بعيدًا عن إخوته المزعجين ليبدع في الرسم، وأخبرهم ما الذي حدث له عندما آثر الوحدة، أو اليرقانة التي لا تعرف كيف تطير، إلى أن تكبر وتصبح ما هي عليه، لو أنها صبرت، وانتظرت، تلاعب بملامح وجهك، استخدم بعضًا من حركات يديك، اخفض صوتك، ارفع صوتك حينًا، أسرع حينًا، اجعلهم يعيشون مع كل حدث، بيضة الضفدع لا تعرف السباحة وتنظر إلى نفسها وتسأل الآخرين، من أنا؟ فيخبرونها بما لا يسعدها، هي بقعة هي رقعة هي نقطة حبر قزمة، في بركة ماء معتمة، ما الذي يحدث عندما تكبر قليلًا، هل ستبقى في حيرتها؟

هل ستبقى بقعة ورقعة؟

أضف الى الحبكة توابلك الخاصة، حاورهم واسألهم عن توقعاتهم لحلول المشكلة، استنطق النهاية منهم، ولا بأس بتحريف ماكر لبعض القصص المعروفة – كما كان يفعل المفكر المسيري مع أطفاله – فبعد أن يسمع الذئب بنية ليلى الذهاب لجدتها يذهب سريعًا ليسبقها، إلا أنها تركب الحافلة وتصل قبله وتغلق باب جدتها دون أن تنجح خطته، أو عندما يطلب الأمير يد سندريلا للزواج بعد أن وجد حذاءها وطاف به بيوت المدينة باحثًا عنها، تبدي له استغرابها من كل هذا الجهد الذي بذله ليتزوج من فتاة لا يعرف سوى شكلها وفردة حذاء لها! ثم تعتذر له لأنها ترغب في إكمال تعليمها الجامعي، وتنصحه أيضًا أن يفكر بهذا الخيار، ادخل في التفاصيل حتى تتسلل إلى عقولهم مكونات القصة وكيفية صياغتها.

بعد أن تبدأ قصص الأطفال تشعرهم بالإشباع ويبدأ سقف توقعاتهم يرتفع، حاول رفع مستوى القراءة قليلًا، تحدث معهم حديث الكبار بأسلوب الصغار، لم لا تعيش شهرًا في سيرة الحبيب عليه السلام، ثلاثون ليلة بثلاثين مشهدًا تبدأ بولادته عليه السلام وتنتهي بوفاته بجانب زوجته، وازن بين مستوى الطرح ومستوى أطفالك، لا داعي للدخول في كل سرية وموقف، اختر أشهر وأجمل المواقف فقط. هل حان دور العشرة المبشرين بالجنة؟

اقرأ كل يوم لهم عن أحدهم وانتق أجمل مواقفه ودعه يعيش حبه للشخصية يومًا أو اثنين، اذكر اسم الصحابي في النهار، استحضر رضاه في كل عمل جميل يقومون به، “لو كان عبد الرحمن بن عوف هنا ورآك وأنت تتصدق لكان فخورًا بك”، “لو علم أبو بكر أنك ذهبت لمساعدة جدتك لعانقك الآن، اسمح لي أن أعانقك بدلًا منه”.

بعد الانتهاء من السير التاريخية العظيمة آن أوان اقتراب خط الزمن، والبدء بالتحدث عن شخصيات معاصرة لها بصمتها، نحن الآن بدأنا نتجرد من النص المكتوب، ونكتب مشافهة سيرًا لأشخاص تراهم قدوات، تحدث معهم عن الشيخ رائد صلاح مثلًا، شيخ الأقصى ودرعه الحامي، اقترح عليهم إرسال رسالة إلكترونية له، تحية منهم وتقديرًا لمواقفه، بأناملهم، وكلماتهم ومشاعرهم الصادقة، حتى نغرس قيمة الإيجابية في المبادرة إلى شكر المحسن، ودعم أفكاره وتحركاته. تحدث معهم عن بعض المشاهير والقادة المؤثرين، تحدث عن مهاتير محمد، عن أردوغان، عن يحيى عياش، عن نور الدين زنكي، ومحمد الفاتح، سلط الضوء على مواقفهم الشجاعة وأعطها حقها، تحدث عن ريم الرياشي، وأرهم صورها مع أطفالها قبل رحيلها إلى الجنة، أخبرهم عن سفينة مرمرة، وماذا فعلت، عن شكسبير، عن أديسون، عن لويس باستور، عن كل من أضاف شيئًا.

عندما تقرأ لأطفالك قصص الأطفال وتتدرج معهم إلى قصص الكبار، فأنت لا تغذي خيالهم وحسب، وإنما أنت تثري معرفتهم بعالم خصب، وخيارات كثيرة ليفكروا وليعبروا وليبتكروا، وعندما يكبر الحوار يكبر معه مستواهم الفكري، ويصبح الربط الذهني لديهم وسيلة قوية للتفاعل، وسواء كانت شخصية تاريخية أو معاصرة، مسلمة أو غير مسلمة، عربية أو غربية، سوف يعيشون معها تجاربها ومواقفها، وتندمج الشجاعة والمبادرة مع خلايا دماغهم وتتداخل في سلوكهم المعرفة مع الخيال مع التجربة مع التوقع.

قد لا يظهر أثر هذه الجلسات في القريب العاجل، وليس من المفترض أن يقاس، أو أن تراقب أية نتيجة، وإنما بعد بضع سنين ستجد أن أبناءك لديهم من النضج والحكمة ما يفوق أقرانهم، ولديهم من الحس النقدي ما يكفي للتعبير السليم عن آرائهم وقراراتهم. قد يستحضرون مشهد قوة شاهدوه فيمن يضرب الدبابة بالحجر، أو بغلام في مثل سنهم وقف يصد الظلم عن قرية بأكملها مضحيًا بذاته في سبيل استنطاق كلمة الحق من الملك الظالم “باسم رب هذا الغلام”. قد تثير حوارًا في داخلهم أثارته ماري كوري يومًا مع شقيقتها بحثًا عن حياة أفضل، أو تخلق موقفًا إبداعيًا يظهر رفضهم لأمر ما يؤثر دون أن يعطل كما فعل غاندي، أو تجعلهم يتساءلون أنى لصحابي أن يتعلم لغة في أيام معدودة؟

وتبدو حينها الإرادة أكثر ألفة، وقد ينصهر فكر رفض قبول الواقع السلبي مع الإرادة القوية ليبزغ فجر تساؤلات جديدة، لم يجب أن تخلع مروة قاوقجي حجابها أمام البرلمان التركي ولا يمكن للبرلمان أن يتغير؟ وها قد تغير! هل كانت مروة ستكون سعيدة لو تخلت عن مبادئها؟ أم أنها الآن تعيش عزة وأنفة أكبر بكثير وهي ترى زميلاتها يملأن قبة البرلمان بالطريقة التي ترضيهن؟

التجارب التي يسمعها أطفالنا هي ما سوف يخوضونه واقعًا في السنوات القادمة، أليس في قصة ما قبل النوم شيء من الاستعداد؟ ألا ترى الذخيرة الحية من الخيارات العظيمة تستعد، وتعدهم لصناعة تجربة جديدة لم يعايشوها بل شاهدوها في أحلامهم، وهي كفيلة بإحداث الكثير.

قصة ما قبل النوم نهضة تثور بعد عشرين عامًا يوقظها طفل واع اليوم، وشاب ناضج غدًا، وقائد جسور بعد الغد. هي طاقة متجددة وشعلة قوة تحملها في ضميرها فتاة بينها وبين المرحلة الجامعية نوم بضع سنين تنير فيها حينها دربها ودرب من يختلط بها.

هي ومضة خير في زمن يدس فيه السم في التلفاز والإذاعات وأحيانًا في الكتاب المدرسي، هي بارقة أمل لأم وأب لا يملكون سلاحًا آخر، بعد أن حاصرتهم الحياة بكل تفاصيلها وجردتهم من أية وسيلة أخرى للمقاومة.

قصة ما قبل النوم هي ما سوف تجعل الصغار كبارًا إن شاء الله، ونومًا هنيئًا لكباركم.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد