«قررتُ أن أبتعد عن كل حاجة، وكل شيء، واسيب الحياة … أنا أضعف من أن أعمل لنفسي مستقبلًا، أو الحصول على فرصة … اليأس مش عيب، ولا جريمة … أنا ضعيف، وفاشل، ولازم أسيب الحياة، أو على الأقل، أكون بعيدًا عن كل الناس».

هذا جزء من رسالة أرسلها لي شاب في العقد الثالث من عمره، يعبر عن حالة البؤس التي يمر بها في هذه الأيام. عندما استفسرت عن مدلول الكلمات التي جاءت في الرسالة، حكى لي الشاب عن أزمته الطاحنة التي يمر بها: فهو لم يعثر على فرصة عمل مستقرة حتى الآن، كلما جد في البحث، لم يجد فرصة مناسبة، وإذا وجد، يكون راتبها الشهري 500 جنيه فقط لا غير، وطبعًا مطلوب منه أن يعمل 7 ساعات متواصلة.

يضيف هذا الشاب، الذي كان الطموح يملأ جنبات نفسه، إن «سبب المعاناة في الأصل هو التوحش في كل شيء، التوحش حتى في الظلم والاستبداد، التوحش في السرقة، التوحش في الغلاء، التوحش في العقاب، التوحش في كذا وكذا…».

مشكلة هذا الشاب معقدة، ومتشابهة مع ملايين الشباب الذين هم في سنه، ولا يجدون دخلًا مناسبًا يعينهم على صنع حياة بسيطة، يحققون فيها طموحهم المتواضع، الشباب يعانون من قلة الوظائف التي تساعدهم على شراء شقة أو عفش أو شبكة لعروسة، ومنهم من يرعى والديه اللذين يحتاجان مزيدًا من النقود؛ من أجل الرعاية الصحية الجيدة.

لم تكن المشكلة تتعلق بهذا الشاب وحده، بل هناك ملايين من الشباب يعانون من نفس الظروف، خصوصًا وأن هذه الفئة تمثل حوالي 60 في المائة من إجمالي السكان البالغ عددهم 90 مليون.

ليس لدى الدولة رؤية في معالجة مشكلات الشباب والتغلب عليها؛ فهي لم تقدم برنامجًا طموحًا يضمن توظيف عدد كبير من هذا القطاع، بل بالعكس، زادت المشكلات الاقتصادية التي تعصف بالدولة الآن، وفي ظل غياب رؤية واستراتيجية حقيقة من معدل البطالة، وبالتالي تفاقمت مشكلات الشباب.

هناك أسباب كثيرة زادت من معاناة الشباب، وتفاقم مشكلاتهم أيضا، منها عدم تحقيق العدالة الاجتماعية، في ظل سياسة لا تهتم بالقاعدة الشبابية، كما ينبغي، بل على العكس يُعتقل عدد منهم، وتلاحق الأجهزة الأمنية عددًا آخر، إذا ما عبر عن رأيه بسلمية مطلقة.

سياسة الدولة الحالية تسعى إلى بناء مزيد من السجون، حتى تسع عشرت الآلاف المسجونين أو المعتقلين، معظمهم من الشباب، وبناء مقرات جديدة للوزارات والمسئولين التي تهلك موازنة الدولة.

لماذا لم تعلن الدولة عن تدشين خطة طموحة حقيقية لتوظيف نسبة كبيرة من الشباب، الذي يتمتع بكل الطاقة والحيوية، وحينما يشعر بالظلم، ويعبر عن المظالم بطرق سلمية، يُلقى به في غياهب السجن.

أيهما أولى أن تساعد الدولة الشباب وتشجعهم وتقدم لهم القروض الميسرة لإقامة مشروعات صغيرة، أم تبني مقرات جديدة للوزارات؟ منها وزارة الداخلية؛ إذ سيتم نقل جميع الإدارات والمكاتب الإدارية بمقر الوزارة من منطقة «لاظوغلي» بالقاهرة، إلى مقرها الجديد في «أكاديمية الشرطة» بالتجمع الأول، المقر الجديد مساحته أكثر من 300 ألف متر مربع، وتكلفته وصلت 200 مليون جنيه.

الدولة تحث المواطنين على التقشف وربط الحزام بشدة، وهى نفسها لا تطبق هذه السياسة على المسئولين.

في تصريح سابق، قال الدكتور أشرف العربي وزير التخطيط، إن معدل البطالة بين الشباب من سن 15 إلى 39 سنة، وصل إلى  30 بالمائة، وهذا رقم كبير جدًا، وقال إن متوسط دخل الفرد العامل في مصر يبلغ 3400 دولار في السنة، أي بمعدل 2500 جنيه في الشهر، وإذا خصمنا الضرائب ستجد الرقم يقل عن ألفي جنيه، وهذا لا يكفي الفرد الذي لديه أسرة، خصوصًا بعد ارتفاع أسعار كل السلع والفواتير؛ نتيجة لضعف الجنية المصري، أمام الدولار، وعدم تقديم رؤية طموحة جادة تنعش الاقتصاد، وتحقق العدالة الاجتماعية.

بدون إرساء مبادئ العدل وتحقيق العدالة الاجتماعية بين الشعب، ستظل المعاناة والمشكلات قائمة، ولن يكون لها حل شافٍ، وستظل الحلول مجرد مسكنات فقط.

الشباب الذين يقضون سنوات من عمرهم في السجون أو المعتقلات، سيعيشون عمرهم كله كارهين للدولة، التي ظلمتهم وأهانتهم، وقتلت الحلم بداخلهم، وحرمتهم من الحياة الكريمة، التي تحفظ لهم كرامتهم، وهذه أبسط الحقوق.

تفيد عدد من التقارير تعرض عدد من المسجونين والمعتقلين، من فئات عمرية مختلفة، ومنها الشباب، للتعذيب، فكيف لهم أن ينسوا هذا الألم المبرح، الذي ترك بصمات وعلامات وعاهات في أجسادهم وأجسادهن؟ كيف لهم أن يعيشوا حياة ، بعد جرعات التعذيب هذه، وبعد الإهانات المتكررة؟

سيأخذ هؤلاء الشباب وقتًا طويلًا لتأهيل أنفسهم، ومحاولة نسيان أن الدولة وأنظمتها كانت ظالمة لهم ومتعسفة ضدهم، وربما سيفقد بعضهم روح الانتماء.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد