مؤخرًا، شاهدتُ مقاطع فيديو على يوتيوب لرحالة من الشباب العربي يعرض في واحد منها تجربته في مهرجان «الهولي» الهندوسي، وفي واحد آخر تجربة قضائه أسبوعًا في معبد بوذي لمحاربي الشاولين في الصين. كما اعترضني مقطع فيديو لصانعة محتوى مسلمة وشابة تصف فيه رحلتها إلى جزيرة بالي في إندونيسيا، حيث التحقت بأحد مراكز «السبيريتشوال ريتريت»، لمدة أسبوع تقريبًا. كان الهدف بالنسبة لها من هذه التجربة، الانسحاب تمامًا من الحياة العادية اليومية من أجل التركيز على الجانب النفسي والروحي، وإعادة ضبط عقارب الساعة الداخلية التي تتأثر سريعًا وسلبًا بشتى مشكلات الحياة وعقباتها.

لا شك أن هذا الكلام في ظاهره جميل، والتجارب المماثلة تسيل لعاب الكثيرين لخوضها والاستفادة من تفاصيلها، التي تبتعد بنا تمامًا عن الواقع الذي نعيشه كل يوم. لكن، لنعد خطوة إلى الوراء ونسلط الضوء تحديدًا على علاقة مراكز «السبيريتشوال ريتريت» والتجارب التي تقدمها، بديننا الإسلامي.

أولًا، لا بد من الإشارة إلى أن هذا النوع من المراكز هو بالأساس ملاذ لكل من يُحسّ بالتيه لغياب المعنى عن حياته، فتجد أغلب من يقصدونه، إما ملحدين وإما معتنقين لدين ما، ولكنهم غير ملتزمين به. بالتالي، يشعرون بالحياة وهي تُضيق عليهم الخناق، ويصبح كل شيء متراكمًا ولا يُطاق، فيلجؤون إلى خطة للهروب من كل ذلك ويرتمون في أحضان هذه المراكز؛ علهم يجدون التوازن المفقود والسلام المنشود.

وإلى جانب التأمل الذي يشغل حيزًا مهمًّا في هذا «الانزواء الروحي»، تُمارَس اليوغا، التي أسالت حبرًا كثيرًا في مجتمعنا الإسلامي لعلاقتها بعبادة الشمس، وتعارضها تمامًا مع تعاليم ديننا. فعند الاطلاع على تعريف اليوغا، وأصلها، وخصائصها، والحركات التي تنطوي عليها، ومعانيها، نتبيّن أنها ما جُعلت قط لممارستها من قبل المسلمين، باعتبار أن المقصود بها في الأصل هو التعبد للشمس، ابتداء من الوقوف قبالة الشمس، والوضعيات الثمانية التي يجب اتخاذها، وصولًا إلى الأسماء الاثني عشر للشمس التي يجب التلفظ بها.

وهنا يجب أن نطرح سؤالًا مُلحًّا؛ هل التخلي عن قول هذه الأسماء، وعدم اتخاذ الشمس قبلة لنا عند ممارسة اليوغا، يجعلها مناسبة لنا نحن المسلمين، ولا ضير فيها؟ عند هذه النقطة، نعود إلى الفتاوى التي صدرت بشأن اليوغا، وإذا ما كان خلوها من أي معنى له علاقة بالبوذية يشفع لنا ممارستها. في الحقيقة، اختلف العلماء بين من يرى في ممارستها رياضة لا أكثر، بما أنها قد جُرّدت من كل ما له علاقة بعبادة الشمس، فيما مضى آخرون في تحريمها بشكل قاطع؛ لأنها دخيلة علينا نحن المسلمين، ولسنا بحاجة إلى ممارستها، وتظل أنواع الرياضة التي لا علاقة لها بالتعبّد بأي «شيء» لا من قريب أو من بعيد، لا حصر لها.

في الواقع، يمكن لأي واحد منا خوض تجربة اليوغا والتأمل. في البداية، سيكون الأمر باعثًا للحماسة التي تعترينا مع كل تجربة جديدة يبلغ خلالها فضولنا أقصى درجاته. مع ذلك، ستلاحظ أمرًا مهمًّا عند مرورك بهذه التجربة، ألا وهي أن اليوغا والتأمل لن يكونا أبدًا مصدرًا للسكينة، إذا ما قصّرت في واجباتك الدينية، كما أنهما تخلوان من أي معنى، طالما أن الهدف منهما ليس التقرب من الله. أما إذا أردنا التقرب فعلاً إلى الله، فصلواتنا وأذكارنا أحق بنا من الجلوس في وضعية بوذا للتأمّل أو القيام بحركات جُعلت في الأصل لعبادة الشمس.

بالعودة إلى المراكز الدخيلة علينا، كان هناك خبير في التأمل يدعى سوامي فارادان قد تحدث عن تجربته في مقال له تحت عنوان «لماذا تعتبر مراكز السبيريتشوال رتريت مضيعة للوقت؟»، إذ قصد مركزًا مختصًّا في تأمل «فيباسانا» الذي وفقًا لتعريف ويكيبيديا يمثل مصطلحًا في التقاليد البوذية وواحدًا من أقدم تقنيات العالم في التأمل، التي يعود أصلها إلى غوتاما بوذا. كان على فارادان الالتزام بالصمت 10 أيام متواصلة، لا يُسمح له فيها بالتحدث سوى لطرح سؤال على معلم التأمل، أو أحد العاملين في المركز، في حين كان عليه الاستيقاظ كل صباح على الساعة الخامسة لممارسة التأمل لمدة ساعة، وتتكرر حصص التأمل لتبلغ ثلاث إلى أربع حصص، يستطيع فارادان فيما بينها إما النوم وإما المشي، وإما الجلوس على السرير.

وصف فارادان التجربة بالمُذهلة واستمرت هذه الحالة من الراحة النفسية لأسبوع تقريبًا بعد عودته إلى حياته اليومية، قبل أن يعود كل شيء لسالف عهده من ضغط، وتوتر، وقلق. وقد توصل فارادان إلى قناعة بأن هذه المراكز لا تمثل الحل السحري كما يظن من يقصدها، أي إنها لن تغير حياتهم إلى الأبد، وسيعودون الأشخاص ذاتهم بعد خوض هذه التجربة، والسبب في ذلك بسيط؛ إذ إن التغيير هو نتاج عمل دؤوب ويومي، حتى وإن كانت وتيرته بطيئة، ولا يمكن للإنسان الوصول إلى النتيجة المرجوة، وهي حضور أكثر، وراحة نفسية، وتوازن أفضل، عبر قطع علاقته بالعالم الخارجي، والهرب من حياته الرتيبة.

كان هذا ما أشار إليه بالتحديد فارادان؛ لإذ أوضح أن المشكلة التي تتعلق بهذه المراكز تتمثل في غياب «المحفزات» السلبية التي تجعل المشاعر السيئة تغمرنا ويغيب عنا الهدف؛ فنشعر بالضياع في عالم كنا نظن أننا ممسكون بزمام الأمور فيه. على سبيل المثال، في هذه المراكز نبتعد عن كل ما يثير غضبنا، كمدير متسلط، أو مشاكل زوجية، أو إدمان على الهواتف والشبكات الاجتماعية. بالتالي، نحن منفصلون عن تلك الأشياء الصغيرة التي تؤجج مختلف المشاعر السلبية التي تظل تتراكم إلى أن يبلغ السيل الزبى، ونُصاب بالاكتئاب ونفسد حياتنا كليًّا. وعلى العكس من ذلك تمامًا، نحن بحاجة إلى مواجهة هذه «المُنكّدات» أو «المحفزات»، وأن نعي جيدًا أنها لن تختفي من تلقاء نفسها حين نتجاهلها ونهرب منها إلى هذه المراكز، بل حين نركض نحوها ونُجبر أنفسنا على التعامل معها، وإيجاد الحلول لها.

إذن، نحن -المسلمين- لسنا في حاجة إلى هذه المراكز أو المعابد، أو خوض أي من هذه التجارب التي لا تمت لديننا بصلة، ناهيك عن السفر إلى خارج حدود بلادنا كي نقوم بها. صحيح أن السفر من الأمور المهمة في حياتنا، لكن، يجب أن نسافر بوعي ونجعل من أسفارنا عبادة في حد ذاتها نكتشف بها الإسلام في البلدان البعيدة عنا والمجهولة بالنسبة لنا، ونكون في الآن ذاته سفراء للإسلام، وهو ما يجب أن يضعه صانعو المحتوى المسلمون الشباب نصب أعينهم، قبل خوض أي تجربة وتوثيقها بمقطع فيديو أو مقال.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد