لحد هذه اللحظة التي أضع فيها قلمي أسود اللون على ورقتي ناصعة البياض، لم أقرر بعد عن أي موضوع أكتب، ليس لقلتها أو عدم وجودها، بل لكثرتها وتنوعها، نحن اليوم نعيش حالة انفجار معلوماتي بمعنى الكلمة، أنا الآن على متن سيارة أجرة قصد التنقل إلى المنزل الوقت الآن يقارب الساعة السادسة ونصف مساءً بتوقيت مدينة ورقلة، والشمس تستمتع بالتسلل هاربة إلى مستقرها تاركة المجال لسواد الليل الحالك، وأي ليل في حي سكرة الشعبي، هذا الحي الذي يقطن فيه مواطنون من 48 ولاية مشهور ببساطة نسيجه العمراني وقدمه وتنوع الثقافات في هذا الحي التابع إقليميًا لبلدية الرويسات ولاية ورقلة التي تقع في الجنوب الشرقي الجزائري تبعد حوالي 800 كم عن عاصمة البلاد يعيش انعدامًا للتنمية والمرافق العامة، ولو بدأت في عدها لما استطعت عدها كلها نظرًا لكثرتها.

التنقل من وسط مدينة إلى الحي الشعبي سكرة الذي أقيم فيه أشبه بالتنقل عبر آلة الزمن لكن إلى الوراء للأسف، من الأضواء الزاهية التي تزين الشوارع الرئيسة في وسط مدينة ورقلة، والتي تكسر عظمة الليل الحالك وضجيج السيارات والمراكب الذي لا يتوقف إلى حي سكرة الشعبي المهمش تنمويًا والغني بالمثقفين وخريجي الجامعات، شوارع مريبة يكثر فيها الحائطيون وهم الموجودون في الشوارع بشكل دائم، أو شبه دائم، منهم من يتخذ من الشارع مأوى لهم، فتجد منهم المتحصل على شهادات جامعية، كانت البطالة مصيرهم المحتوم.

حياة الشباب في جمهورية مترامية الأطراف، كلها تتأرجح بين اليأس وفقدان الأمل في العيش بهذه البلاد، خاصة منهم حاملي الشهادات، ولعل الفكرة الوحيدة التي يشترك جل الشباب فيها في بلادي هي الهجرة إلى أوروبا، والحلم بغد أفضل بعد أن أنهكتهم مساوئ الحياة في الجزائر، فلا فرق عندهم بين الجزائر الجديدة والقديمة، فقد ظنوا أن الحكام الجدد بعد الحراك سيغيرون الواقع ويقلبون الموازين، لكن الثابت الوحيد هو الانقلاب، لكن على أحلامهم، والمتغير هي الوجوه لا غير، أما السياسات فبقيت دار لقمان على حالها، ينصدم الشاب الجزائري عندما يسمع عن نهب آلاف المليارات من قبل شخص أو شخصين أو رهط، في حين أن أغلبهم يفني عمره في البحث عن عمل مناسب له يحفظ كرامته ويضمن قوت يومه، صحيح أن الجزائر دولة بترولية، لكن هذا لم يمنع من ظهور هذه الحالات، وما أكثرها في بلادي ومدينتي والحي الذي أقطن فيه، هذا كل ما فكرت به وأنا في طريقي إلى المنزل برفقة سائق سيارة الأجرة الذي فضل السكوت، وعدم إفساد صمتي والتشويش على تفكري، فسائقو الأجرة عادة ما يكونون مثرثرين نظرًا لكثرة تعاملهم مع أنواع مختلفة من الأشخاص، وهذا ما يخلق عندهم قابلية عجيبة، صمتي أصل، وفي جميع الموضوعات كغيري من حاملي الشهادات الجامعية، أواصل إلقاء اللوم على الحكومة الجزائرية التي عجزت عن الاهتمام فعليًا بفئة الشباب، وخاصة منهم حاملي الشهادات، وتوفير مناصب شغل لهم ألومها عندما اسمع باختلاس رجل إعمال لمبلغ مالي ضخم عجز قاضي تحقيق جزائري عن نطقه لهول صدمته من كبر هذا المبلغ في المقابل تجد في الجزائر الجديدة من يقتاتون من المزابل والتسول، الاحتجاجات على الوضع التنموي في البلاد أصبحت عادة عكف الشعب على القيام بها بصورة متواصلة لتعبير عن عدم رضاهم لما آلت إليه الأوضاع في البلاد حتى إن محاولات الانتحار بسبب الشغل الوضع المادي أصبحت تتكرر في مدينتي الغنية بالنفط. وصلت إلى المنزل نزلت من السيارة ولملمت أفكاري وخبأتها إلى خلوة أخرى وما أكثرها، فلعل الله يحدث بعد ذلك أمرًا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد