قرارك قد يكون صحيحا، ووجهتك الأوربية الجديدة قد تكون صحيحة كذلك إذا كانت أكثر أمنا، وأكثر اقترابا من فكرة اللجوء نفسها المعمول بها دوليا، ومعك منظمات عالمية تركض وراء أوربا وتنتقدها لتسهيل أمرك، ومعك كل الإعلام العالمي الذي يقول بصوت عال إنك مظلوم، وعلى الجميع إنقاذك.

 

اللجوء قضية العالم، وليست قضيتك وحدك، لا يمكن أن تتعرض للموت والعالم ينظر إليك ويتركك.

 

الرحلة من تركيا

توجهت في البداية من بلدك إلى تركيا، تذكر أن هذه الدولة التي احترمتك قد أبقت على الملايين من المظلومين الهاربين من أرضهم وفتحت لهم أرضها، يكفي أنها سمحت لهم بأن يدخلوا إليها وفي بلدانهم العنف والإرهاب، ناهيك عن مخيمات بمئات الآلاف من القاطنين فيها على نفقة الدولة التركية.

 

لكن تركيا ليست مستقرا أخيرا، أنت تعرف ذلك وتقدره، إنها طريق أولي للعبور إلى الضفة الأبعد، ومعظم اللاجئيين عيونهم على أوربا، حيث القوانين الأمتن، والمعيشة الأفضل، ودول لطالما قالت إنها تراعي حقوق الإنسان، وحق اللجوء المكفول عالميا

 

الأعداد في تزايد رهيب

تقول  معظم التقارير إنك أيها السوري وأقل منك العراقي، تباشرون الآن أكبر عمليات الهجرة واللجوء منذ الحرب العالمية الثانية، وخلال الأشهر الستة المقبلة، سيرى الاتحاد الأوربي غالبا مئات الآلاف الجدد من العراقيين والسوريين وغيرهم على أبوابه، إذا لم تحل المشكلة السورية والعراقية وتتوقف هذه الحروب الظالمة، والأوربيون جزء من حل المشكلات لأنهم لم يتحركوا بجدية لإيقافها منذ سنوات.

 

سيصل عدد اللاجئين قبل حلول فصل الشتاء من هذا العام إلى نصف مليون لاجئ، وستبدأ مشاكل جديدة مع حلول الشتاء، عن صعوبات الهجرة والتجمد، لكن المهاحرين لن يتوقفوا، وسيركبون البحر مع المهربين.

 

قبيل نهاية الرحلة.

عندما تصل رحلتك للمرحلة الأخرى، الرحلة وقد كنت على شعرة بين الحياة و الموت، ستكون الآن على سواحل أوربا وعلى أعتاب اليونان، ثم إلى ما وراء اليونان برا وبحرا وتهريبا، ومع هذه الرحلبة البرية الجديدة إلى حيث وجهتك الجديدة، لابد وأن تتعرف أكثر على هذه البلدان، وطريقة التعامل معها، ومع سكانها.

 

دول أوربا تلك كانت قد وضعت لنفسها وثبّتت في أدبياتها أن دولنا العربية هي من دول “العالم الثالث” وأنت في نظرها من العالم الثالث، ليس هذا الوصف بالمبالغ فيه، فقد يكون دقيقا ، دولنا لا تمنح حقوقا عامة، ولا تعطي جنسيتها لمن يعمل فيها، ولا تمنح الأمان الوظيفي لمن يسكنها ويأتيها مغتربا.

 

وعلى هذا فعالم أوربا عالم أول، وكان من المفترض أن لا تغامر أي دولة أوربية بسمعتها لتصل إلى أنها دولة من العالم الثالث، لكننا رأينا ذلك فعلا، ورأينا ارتباكا واضحا.

 

غامرت بعض الدول، ووضعت أمام عائلات خرجت لتوها من الموت المحقق أسلاكا شائكة، قدمت كذلك رجال أمنها ليضربوا بالهراوات النساء والرجال كما شاهد العالم، ولذلك فإن في الأمر مشكلة، مشكلة لأوربا نفسها مثلما أنها مشكلة اللاجئ، وهي تعيد تقييم القوانين على نفسها.

 

مأساة في النمسا

كان قد وصل عدد الذين ماتوا في حافلة تهريب داخل النمسا إلى أكثر من سبعين مظلوما من السوريين بينهم نساء وأطفال، ماتوا جميعا خنقا في سيارة نقل، وربما ماتوا بطريقة أخرى لا يعرف سببها وربما يكون في الأمر تجارة أعضاء بشرية لا أحد يعلم.

 

لكن الأكيد أنهم كانوا في حالة خشية من الشرط ورجال الأمن، ولذلك قرروا التخفي عنها بهذه الطريقة، لأن دول أوربا لا تفتح الطرق.

 

عندما يصل السوري أو العراقي على عتبة باب أوربا، فإنه أصبح لاجئا، ولا يصح أن نطلق عليه مهاجرا غير شرعي، فهو لاجئ ينبغي على الفور منحه حقوق اللاجئ وامتيازاته وفقا للقوانين الأوربية، كما ينبغي توزيع اللاجئين الجدد بعدالة على الدول الأوربية، لاستيعاب هذه الأعداد وما سيأتي من أعداد أخرى.

 

أوربا تترك اللاجئ للمهرب

تبدأ المشكلة في أوربا من طريقة عبور اللاجئين إليها، فعندما تترك أوربا مصير مئات الآلاف من عابري البحر بيد المهربين، فإنها تسمح لشبح الموت أن يخطف العائلات، ويرينا مزيدا من صور الأطفال الموتى على سواحل البلدان.

 

لابد أن تسمح أوربا بممرات آمنة للاجئين، ولا تتركهم بيد المهربين والزوارق المطاطية!! عليها أن تعمل بإنسانيتها وتفعل القوانين بشكل عادل ومنصف ومتساو، بدون الانتباه إلى اللون أو الدين أو العرق، كما حصل مع بعض البلاد التي وافقت على إيواء المسيحيين فقط، وهذا ما ولد استغرابا وانتقادات عامة، فوسائل الإعلام تعج هذه الأيام بانتقادات واسعة للبلدان الأوربية.

 

اللاجئ الجديد يتعلم من جديد

وإذا كان من نصيحة للاجئ نفسه، فإن عليه أن لا يظهر بشخصية جامدة بوجه الأوربيين، لابد من أن يترك العنف تماما ف يالتعامل، ويستمع لكلام رجال الأمن في تلك الدول، ويتعلم القوانين ويمارس أعلى درجات الأدب والنظافة والظهور بشكل لائق، ويحاول تعليم جمع من هم حوله هذا السلوك، ولابد في النهاية من الانتباه الشديد من محاولة جهات متطرفة أو استخباراتية افتعال أزمات  لإلحاق الضرر بالاجئيين وتكبير ذلك إعلاميا لتطردهم أوربا، فعليهم أن يكونوا على حذر.

 

الأسلم لأوربا أن تسارع في الحلول السياسية التي اقترحتها تركيا لا سيما المنطقة الآمنة، وإذا لم تسهم أو ربما في الحل السياسي والمنطقة الآمنة، فإن لذلك ضريبة، ومنها أن تستبق ملايين اللاجئيين بعد أن ضجت بلاد تركيا بهم.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات