كلما تنَاهَى إلى السَّمع لفظ «شباب» إلا ويتبادر للذهن عباراتُ الأوْج والقوة والحيوية كنايةً عن أن فترة الشباب عادة ما ترتبط بالقدرة على العطاء دون مقابل والجرأة في المبادرة وكذا السعي بكل حزمٍ وإصرار إلى بلوغ الأماني بغض النظر عن المعيقات. لقد أضحى الشباب رقمًا صعبًا في معادلة الحياة المجتمعية بل ورهانًا يصعب كَسبهُ. إن الشباب ثروةٌ حقيقيةٌ بها تَبْنِي الأمم صَرْحَهَا وتقوي حِصْنَهَا، الشباب هم سواعد الوطن التي لا تفتر وبصيص الأمل الذي لا يخيب، على أيديهم تُطْوَى صفحاتُ الذل والهوان وبعزائمهم تعلو راية الحرية إيذانًا باستقبال فجرٍ جديد، قوامه العدالة والعيش الكريم. إنَّ وطنًا بلا شباب عجوزٌ عقيم، غير قادر على مسايرة متغيرات عصر السرعة؛ فما دام المحرك قد أصيب بالخمود فمن المستحيل أن تتزحزح بَوْصَلَة الوطن ولو سنتيمترًا إلى الأمام.

 ومن البديهي أن الدول التي تقود العالم اليوم قد أَوْلَت الشباب مكانة عظيمة، وجعلت مطالبهم في قائمة اهتماماتها، بل حذا بهم الأمر إلى الاستثمار في الطاقات الشابة عوض الاستثمار في القطاعات الاقتصادية المعروفة، إيمانًا منهم بأن الشباب أفضل مشروع يعود بالربح والمنفعة على مستقبل الوطن. إن الحديث عن الشباب ذو شجون، إذ لن أتطرق إلى شباب فرنسا ولا ألمانيا ولا اليابان ولا سنغافورة، بل سنلقي نظرة في العمق صوب شباب الريف المغربي، شباب حكمت عليه الأقدار أن يعيش ممزق الأوصال، أجساد داخل السجون وأرواح هاجرت دون عودة وأخرى تُمَنِّي النفس ليل نهار بالعيش على الضفة المقابلة للبحر الأبيض المتوسط. هكذا حال الشباب هنا بالريف، وتزامنًا مع عيد الشباب تزداد الحيرة أكيالًا وتتفاقم الحسرة على سنوات من التيه والضياع، مضيفة بذلك صفرًا آخر إلى يمين معاناةِ شبانٍ على عتبة مستقبلٍ مجهول المعالمِ ومُضَبَّبِ الملامحِ.

بالريف يموت الشباب ألف مرة في اليوم، هنا يَكْتَوُون حرقةً على وضعٍ مأزوم جعل أحلامهم وطموحاتهم على المحك. فكم من شابة انقطعت عن الدراسة فقط لكون الريف لا يتوفر على جامعة أو لأن وضعها المادي لا يعينها على متابعة الدراسة؟ وكم من شاب يرتشف جرعات من كأس الخيبة كل يوم بسبب البطالة، فقط لأن الريف لا يتوفر على مصانع ومعامل تُؤْوِيه من شبح الشارع؟ وكم من روحٍ أُزهِقت وكم من زهرة قطفها منجل السرطان، فقط لكون الريف راح ضحية الغازات السامة التي استعملتها إسبانيا إبان الزحف الإمبريالي ولأن الريف كذلك لا يتوفر على مستشفى جامعي لعلاج الداء الخبيث، ما عدا مركزًا استشفائيًا مهجورًا وجوده كعدمه. بسبب السرطان رحل محمد بنعمر، فاطمة أزهريو، يوسف الدهري وآخرون. لن يسعفنا المقام هنا لذكرهم جميعًا، لقد راحوا ضحايا الإهمال واللامبالاة التي تنهجها الدولة ضد شباب أحبوا الحياة بإخلاصٍ وتفانٍ.

المآسي لم تنته هنا؛ ففي ليلة 28 أكتوبر 2016 قضى محسن الشاب سحقًا داخل شاحنة أزبال، فكانت هذه الواقعة الأليمة بمثابة القطرة التي أفاضت الكأس، إذ خرجت مدن الريف عن بكرة أبيها مُلَبِّيَةً نداء الشارع الذي أطلقه الشهيد. كان محسن فكري شمعة، وقد احترقت لتنير الدرب لشباب الريف الضائع، فانخرط المجتمع الريفي بجل أطيافه وشرائحه في الحراك الشعبي السلمي مستنكرين بشاعة مقتل فكري ومطالبين برفع الإقصاء والتهميش وتحقيق مطالب لم تتطلب الوقت الكثير ليتم الإجماع عليها: جامعة، مستشفى، فرص شغل، حرية، عدالة وعيش كريم.

لقد كانت الدولة أمام فرصة تاريخية لن تُعَوض للمصالحة مع شبابها ومباشرة العمل بشكل جِدِّي مع مجتمع ينشد التغيير نحو الأفضل؛ مجتمع خرج شبابه ضد الفساد والمفسدين الذين عشعشوا في كل ربوع الوطن، يحلبون بقرة الشعب دون حسيب ولا رقيب وَيتَفَنَّنُونَ في تسويق الأوهام الزائفة والوعود الكاذبة؛ مجتمع خرج بجرأة مُسَائِلًا خُدَّامَ الدولة دون خوف ولا تردد: أين الثروة؟ ما محلنا من مشاريع التنمية التي تطبلون لها صبحًا وعشية؟ أين نحن من حقوق الإنسان؟
ولكن عوض التعجيل بفتح حوار جاد ومسؤول مع هؤلاء الشباب، اختارت الدولة أن تجلس في مقعد المتفرج دون أن تحرك ساكنًا بل نهجت سياسة الآذان الصماء متوهمة أن موجة الغضب هذه ما هي إلا سحابة صيف عابرة ستُنْسَى كأنها لم تكن. لكن الجماهير ظلت وفية لصرخة الشهيد التي انبثقت من صميم الفؤاد الموجوع، لقد اختارت الصمود، ليس حبًا في الشارع بل لأن الهموم والمآسي يتقاسمها جميع أبناء الريف على حدٍ سواء. ولأن ذاك الجرح الغائر الموشوم بذاكرة كل ريفي لم يندمل بعد، ولن يفعل، (انتفاضة 58-59). لقد اختارت الدولة أن تبقي على هيبتها عوض النزول إلى مائدة الحوار وقد سَخَّرت لذلك كل الوسائل من بلطجية، إعلام بئيس، مخابرات وجيش إلكتروني.

 ولقد سبق للناطق الرسمي باسم الحكومة أن عَبَّرَ في أكثر من مرة عن مشروعية الاحتجاجات بالريف مؤكدًا على أنه لكل مغربي حق التظاهر ما دمنا في دولة الحريات، لِتَخْرُجَ بعد ذلك الأغلبية المشكلة للحكومة في خرجة مشبوهة بتصريحات اتهمت الحراك الشعبي بالخيانة والعمالة الخارجية وخدمة أجندات أجنبية وكذا تبني مطالب انفصالية بحتة. حقًا هي قمة التناقض والتخبط والارتباك في التعامل مع ملف الريف. حقًا هي حكومة محكومة تعاني من انفصام في الشخصية، الشيء الذي كشف بجلاء أركان السياسة المهزوزة بالمغرب وهشاشة التسيير والتدبير. الحكاية لم تنته هنا فالدولة عمدت إلى نصب فِخَاخٍ تواطأت فيها وزارة الداخلية ومنابر الجمعة، لتبدأ بعدها حملة من الاعتقالات والمداهمات العشوائية. فَزُجَّ بشبابٍ بريء في السجون بتهمة حب الوطن ومحاربة الفساد.

 حراك الريف هو الحركة الاحتجاجية الأقوى خلال تاريخ المغرب المعاصر والذي ما زال مستمرًا إلى حد الساعة، فرغم المقاربة الأمنية القمعية والعسكرة الرهيبة لكل أرجاء الريف إلا أن الشباب ظلوا أوفياء للشعلة التي أوقدها محسن الشهيد. وقد كانت تسعة أشهرٍ كافية لتعلن عن سقوط أول شهيد للحراك، عماد العتابي خرج هو الآخر نُصْرَةً لإخوته المحتجزين، رفع شعار «الموت ولا المذلة» تعبيرًا منه على أن مسألة الكرامة والحرية لا تقبل حلولًا وسطى. لقد سقط عماد جثة هامدة بعد أن اخترقت رأسه قنبلة للغازات المسيلة للدموع ودخل بعدها في وضعية موت سريري، ثم أكرمه وطنه بتابوتٍ أرسله فيه إلى مثواه الأخير.

فعجبًا لدولةٍ تطمعُ في اللحاق بمقدمة الركب وهي التي تسجن خيرة شبابها فقط لأنهم خرجوا مطالبين بأبسط شروط العيش الكريم. عجبًا لدولةٍ احتجزت مناضلين غيورين على مستقبل وطنهم في حين أن نَاهِبِي خيرات البلاد في سراح مدى الحياة بل ويتمتعون بحصانة تقيهم شر المحاسبة، ليضعوا بذلك شباب الريف بين المطرقة والسندان؛ بين شبح السجون وطيف الهجرة، ربما تبدد ذاك الأمل في العيش في وطن يتسع للجميع وباتوا يحلمون بأوطان أخرى تحتضن طموحاتهم وتلبي رغبتهم في التغيير، لكن ولا إشارة تلوح في الأفق تدل على أنهم استسلموا للأمر الواقع، بل إن عزائمهم تزداد جماحًا يومًا بعد يوم كأنهم أمواج بحار الحسيمة التي لا تهدأ، كيف لا وعنوان معظم المسيرات هو «لا سجن لا موت يرهبني.. أنا الريفي والكل يعرفني»، شعب لا يهاب الموت، لذا فما دون ذلك يهون. ربما كان على الدولة أن تدرس – قبل نهج المقاربة الأمنية – سيكولوجية الشاب الريفي ولو فعلت ذلك لتجنبت كثيرًا من الخسائر كانت في غنى عنها. لقد أدرك الشباب الريفي أنه ثروة وثورة، وهذا بحد ذاته انتصار.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد