ذكرى مولدك لا نحييها، وإنما نحيا بها، فميلادك ـ- يا سيدى – للحياة حياة.

ميلاد أحمد للحياة حياة … فالأرض ظمأى والحبيب فرات

لما أتى هذا الوجود أحاله … روضا فألسنة الوجود شداة

فإذا الهوى أسطورةُ، وإذا الهدى … تسبيحةُ، والكائنات صلاةُ

دنيا السعادة لا تشاد بغيره … أركانها الإيمان والآيات [1]

في ذكرى ميلادك ـ سيدي ـ نذكر بعض ما تعلمناه

عملتنا سيدى أن وحدة الأمة فريضة، وأن اعتصامها بدينها هو سر بقائها وتماسكها، وأن تمزقها وتفرقها ردة اجتماعية وأخلاقية، وأن عدوان بعضها على بعض رجوع إلى الكفر بعد الإيمان، فقلت وأنت الأمين الصادق: لا ترجعوا بعدى كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض.

علمتنا ـ سيدى ـ أن الغاية الكبرى من وجود الإنسان لها أبعاد ثلاثة: عبادة الرحمن، وعمارة الأكوان، ورعاية الإنسان، وأن مجتمع الإيمان ليس هو المجتمع الخامل الساكن الذي يعيش عالة على غيره في طعامه وشرابه، وإنما هو المجتمع الذي يموج بالحياة والحركة، وتختلط فيه صيحات المآذن بضوضاء المصانع وضجة الآلات، وبين الحين والحين ينطلق صوت ندى ليقطع هذا الضجيج، وليذكر الناس بأن الله أكبر، فيشهدوا لله بالوحدانية، ولك يا ـ سيدى ـ بالنبوة والرسالة.

تعلمت منك ـ سيدى ـ أن الإيمان الحقيقي ليس ركعات تؤدى أو أيام تصام وانتهى الأمر، إنما هو عدل ممدود الظلال يشمل المدائن والقرى، ويأمن في ظله القريب والبعيد والقاصى والداني، والمؤيد والمعارض.

علمتنا ـ سيدى ـ أن الزبد الرابى وسط السيل المندفع لا يلبث أن يذهب ويتلاشى، وأن ما ينفع الناس هوالذي يبقى ويدوم، وما ينفع الناس هو العدل وليس الجور، والحرية وليس الاستبداد والقهر، والنظام وليس الفوضى، والعمل الجاد والكفاح الراقي، وليس الخمول والكسل.

·علمتنا ـ سيدى ـ أن العمل الصالح من لوازم الإيمان، وأن عمارة الدنيا، وبناء المصانع، وشق القنوات، وزراعة الأرض، وإنبات النبات، وإقامة الحرف والصناعات فريضة دينية لا يقوم المجتمع إلا بها، ولا يصلح حال الناس إلا عليها، وأن بناء الإنسان وتشييد الإيمان يسبق ذلك كله، وأن رسالة المسلم في الوجود هي صلاح الدنيا بالدين، وأن المسلم يجب أن يكون مستقل الإرادة مستقل القرار.

تعلمنا من دينك ـ سيدى ـ أن البناء الحضاري له جناحان هما الإيمان والعمل، وأن الاكتفاء الذاتي يجب أن يكون المشروع الأكبر الذي تلتقي فيه وعنده كل الإرادات تلاقيا حرا، وتصب في مجراه العام كل الجهود، وأن الأمم الأخرى لا يمكن أن تحترم الضعيف، وأن عالم الأقوياء لا مكان فيه للضعفاء والمهمشين، وأن الاعتماد على الله أولا، ثم الاعتماد على الذات ثانيا هو سبيلنا إلى النهضة الكبرى.

علمتنا ـ سيدى ـ أن قيمة المرء فيما يحسنه من عمل، وأن قوته في إيمانه بربه، وأن يقينه العالى يجعله يعيش فوق الحياة لا فيها، فيرى الدنيا بعين بصيرته على حقيقتها دون أن يخدعه بريقها الأخاذ، ويشم من خلال موقعه ومكانه فوق الحياة رائحة الجنة، ويرى ثمارها وقد أينعت ودان قطافها.

علمتنا ـ سيدى ـ أن الكلمة مدخل وسبيل وليست غاية في ذاتها، فهى إما طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء، وإما خبيثة اجتثت من فوق الأرض مالها من قرار، فإن كانت طيبة فهى حرة وتشكل ضغطا وتحدد موقفا، وتغير منكرا، وتقيم عدالة، وتفجر ثورة، ومن ثم فهى مسؤولية وأمانة، فقلت وقولك الصدق: رحم الله امرأ قال خيرا فغنم أو سكت فسلم.

علمتنا ـ سيدى ـ أن الرغبة فيما عند الله أعلى وأغلى من كل ما طلعت عليه شمس النهار، وأن أصحاب الرسالات لا يتخلون عنها مهما كانت التضحيات، فأقسمت وخير من يفي بالقسم أنت، والله لو وضعوا الشمس في يمينى والقمر في يسارى على أن أترك هذا الأمر حتى يظهره الله أو أهلك دونه ما تركته أبدا، فتعلمت الدنيا من قولك وموقفك أن المبادئ لا تخضع لمعايير السوق والبورصة، وأن أصحابها لن يبيعوها أبدا، ولن يساوموا عليها ولو بُدِلِوا من سعة الدنيا قضبان السجن أو حتى مقصلة الموت.

علمتنا ـ سيدي ـ أن قبول الدنية عار ومذلة تجرح مروءة الرجال، وأن السكوت عن قول الحق يحول المرء إلى شيطان أخرس، وأن حرمة المؤمن أقدس عند الله من حرمة الكعبة.

علمتنا ـ سيدى ـ أن الرضوان الأعلى لا يناله الكسالى والعاجزون، وأن الأمم الطرية الهشة لا يمكن أن تكون سندا للحق، وأن خير الناس أنفعهم للناس، وأن أحب الأعمال إلى الله سرور تدخله على مسلم، تكشف عنه كربة أو تقضي عنه دينا أو تطرد عنه جوعا.

علمتنا ـ سيدي ـ أن الإنسان مكرم باعتباره من خلق الله بصرف النظر عن دينه أو جنسه أو لونه، وأن الحق فوق القوة وأن العدل فوق الخصومة وأن إنسانية الإنسان فوق كل اعتبار.

علمتنا ـ سيدي ـ أن الرجولة منزلة فوق الذكورة، وأن الإنسان العظيم بهمته وإرادته وعلاقته بالله، وليس بحجمه ولا بلون ثيابه ولا بكم رصيده من المال في البنوك والبورصة.

علمتني ـ سيدي ـ أن الأمل لا ينقطع أبدا، وأنه بين لحظة وأخرى يمكن أن تتغير الأحوال، وأن دقيقة واحدة باقية في العمر هي أمل فسيح وكبير في رحمة الله.

علمتننا ـ سيدى ـ أن صلاح الحال بدايته بتغيير النفوس، وأن يد الله تمتد بالعون والتوفيق وتغيير الحال إلى الأفضل والأعلى والأبقى والأخلد لمن يغيرون أنفسهم أولا، فإذا بالضعف يتحول قوة، وإذا بالذل يتحول عزا، وإذا بالخوف يتبدل جسارة واقتدارا، وإذا بالناس بعد الإحباط يفرحون ويستبشرون، وبعد العسر والضيق ينشرح الصدر ويفرح الزمان والمكان والناس، وها أنا ذا أكتب إليك اليوم لأخبرك ـ وأنت أعلم، ولأبشرك ـ وقد سبقت بشراك ـ بأنه من جديد ـ يا سيدي ـ بدأ الربيع، ولن تستطيع قوى الشر والاستبداد أن تخفيه أو تمنع أريجه عن الناس.

شباب الأمة في ذكرى مولدك ـ سيدي ـ لن يغلبه الإحباط، ولن يسيطر عليه اليأس والبؤس مهما فعل الطغاة والظالمون، وعما قريب سيجسد المثل الغائب ويحاول تحقيق الأمل الذى عشنا له ولطالما انتظرناه. فهو – بالرغم من الجدب – يعيش ربيع أمجاده حين تستحضر ذاكرته صبرك وصمودك وعلو همتك، فليله ذكر وتهجد، وصباحه مقاومة وإصرار.

ذكرى مولدك ـ سيدى ـ هذا العام وبالرغم من الضيق والعسر وقمع الحريات وإسكات كل صوت حر، إلا أنها تحمل لنا بشائر الأمل الأخضر القادم من رحم الغيب، والممزوج بوعي حر تستيقظ فيه كل إرادات الأحرار والأخيار، تحمل إشراقا يحتضن الوطن الغالي فينهي عهد الظلم والاستبداد ليعيش الناس بلا خوف وبلا طغيان أو قهر، وبفرحة تملأ عين الدنيا ويشاركنا فيها كل الأشياء، النبات والحيوان والحجر والشجر والشمس والقمر، والأرض والسماء.

شعوبك ـ سيدي ـ في طول البلاد وعرضها كانت في عميق سبات، لكنها اليوم تنتفض وتثور ضد كل فحش وخسة وعمالة.

وهي لا تكفر بالطاغوت فقط، وإنما تحاول محوه من ذاكرة الزمان كي يعيش الخلق عبيدا لله وحده، متحررين من كل قيود الذل والقهر والإكراه.

شعوبك بإرادتهم يهزون عروش الطغيان، ويسقطون الفراعنة ويخلصون البلاد والعباد من كل جبار عنيد، بعضهم قد ثار فعلًا، والآخر يعد عدته ويستعد.

في ذكرى مولدك ـ سيدي ـ تتساقط وتتهاوى أصنام سياسية، واحد تلو الآخر. بعضها يستعين بكل شيء حتى بالشيطان الأحمر في سبيل بقائه، ولو مات الشعب كله أو هاجر وترك البلاد، وهكذا كل الطغاة.

لقد علمتنا ـ سيدي- أنه ملعون في دين الرحمن.

وملعون في كل الأديان، وملعون وبكل لسان

مَنْ يسكت شعبا

مَنْ يخنق فكرا

مَنْ يقصف قلما

مَنْ يبنى سجنا

مَنْ يحرق دارا

مَنْ يرفع رايات الطغيان

ملعون في كل الأديان

ملعون في كل مكان

ملعون في كل زمان

وملعون وبكل لسان

مَنْ يهدر حق الإنسان

حتى لو صلى أو زكى

إن عاش العمر مع الطغيان

وفي ذكرى مولدك ـ سيدى ـ أفوض ربي العظيم الذي لا يعرف كل قدرك إلا هو، أفوضه بصلاة وسلام عليك أقدمها في أدب وعلى استحياء لتكون بقدر أنوارك، وبصلاة وسلام عليك بقدر ما تحمل من رحمة للعالمين.

وأجدد ـ يا سيدي ـ ولائي ووفائي لك ،رغم كل العواصف والأعاصير التى تحاول إبعادنا عنك وفصلنا عن منهجك، وقلبي ولساني وكلي يردد مصرا ومعتزا ومتحديا قائلًا:

أنا من يفى لك في الحياة وإن أمتْ.. سأعيش بالرغم من الموت لا أنساك.

ولتهنأ روحك الطاهرة ـ سيدي ـ فبذكرى مولدك قد بدأ الربيع، وإن لم تخضر الأوراق بعد.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

1- من قصيدة للشاعر أحمد سليم بعنون ميلاد أحمد للحياة حياة
عرض التعليقات

مقالات ذات صلة

نهضة أمة
فلسفة
منذ 4 أسابيع
محاكمة التاريخ
شارك 57
تاريخ وفلسفة
منذ شهر