تناقلت وسائل التواصل الاجتماعي مؤخرًا فيديو تسحب فيه الشرطة السويدية أطفال عائلة سوريّة وتضعهم تحت رعاية الدولة، تباينت ردود أفعال السوريين عليه، بين من اعتبر الفيديو يتضمن عنفًا غير مبرّر، ويعكس حقيقة اضطهاد اللاجئين، وبين من اعتبره مفهومًا؛ لكنه أثار مرة أخرى حلقة جديدة من نقاش مستمر حول قضايا اندماج اللاجئين في المجتمعات الغربية المختلفة عنا.

كما يبني الآخر تصوّراته عنا، والتي أدرجها إدوارد سعيد تحت مسمّى مركزية الذات الغربية والاستشراق، نبني نحن أيضًا تصوراتنا المركزية عن الآخر، فهذه طبيعة بشرية، وهي تتراوح بين مَثْلَنة هذا الآخر الغربي وبناء صورة فردوسيّة عنه، أو تحميله مسؤولية إخفاقاتنا المتواصلة بسبب الاستعمار ودعمه للديكتاتوريّات، وبعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر (أيلول) بدأت ظاهرة الإسلاموفوبيا، وترسّخ الاعتقاد لدى البعض بوجود عنصرية معمّمة تجاه المهاجرين، وفي كل الأحوال تتفق هذه التصورات على شيء واحد هو تفوّق مجتمعات الغرب علينا، هذا التفوق يريح أصحاب العقل التقليدي أن يعزوه إلى وجود دولة قانون ومؤسسات فقط، دون النفاذ إلى الشروط التي أنتجت هذه المؤسسات والبنى القانونيّة المتطورة، وأهمها فصل الدين عن الدولة، وعلمنة الدين ومؤسساته لتصبح دنيوية بقدر ما هي سماوية، وسيادة الإنسان على نفسه: عقله وجسده، فحرية العقل مصونة وتعني حرية التفكير من قيود المجتمع البالية، والقيود الدينية، ومن مؤسسات الدولة القهرية، وحرية الجسد لا تعني فقط حماية الإنسان من العنف المادي والتعذيب؛ بل أيضًا حرية استخدام جسده بحيث لا يصنَّف الإنسان وفقًا لميوله الجنسية، ولا يجرّم القانون الاجتماعي والوضعي حريّة الجسد.

وكما أنتجت أحداث الحادي عشر من سبتمبر (أيلول) فوبيا تجاه المسلمين، فقد تصاعد أيضًا مدّ الحركات الإسلاميّة المتطرّفة، وزادت نسب التدين في المجتمعات العربية، وتفجّرت الصراعات الدينية الطائفية السنية- الشيعية في المنطقة العربية، وبدأ ضمن هذا المناخ الترويج لفكرة وجود مظلوميّة للمسلمين في العالم، لقيت الفكرة صداها لدى كثير من المسلمين على اختلاف توجهاتهم سواءً أكان إيمانهم من النوع التقليدي الشعبي، أم من النوع المسيّس. في خضم هذا المناخ بدأ تدفق اللاجئين السوريين بأعداد ضخمة إلى دول تصوروا أن الحياة فيها سلهة؛ لكن الواقع فاجأهم.

أول ما يفاجأ به اللاجئون من الذكور المتزوّجين هو جملة القوانين الداعمة للمرأة في حال رغبتها في الطلاق، حتى أنّ اللاجئات تسألهن الأخصائية الاجتماعية إن كنّ يتعرضن للعنف ويرغبن في الطلاق، وفُسِّر هذا الأمر ضمن عقلية المظلوميّة بأنه مؤامرة لتفكيك الأسرة المسلمة؛ لكنه حقيقةً سؤال لم يأتِ من فراغ، فنسب العنف العالية المسجّلة ضد اللاجئات هي التي كوّنت هذا الانطباع.

حتى في المجتمع السوري كان العنف منتشرًا على نطاقٍ واسع ضد المرأة، وكانت أسرة المرأة تحاول حل الموضوع بالتراضي تحت اسم السترة، ولم يكن تعنيف الزوجة في أغلب الحالات سببًا كافيًا مقنعًا لاستحالة الحياة الزوجية وطلب الطلاق، وبموجب ذلك تتحول الحياة الزوجية لدى البعض من المتزوجين إلى عنف متبادل وهُدَن وشهور عسل مؤقتة، ويكون العنف اللفظي المتبادل أمرًا طبيعيًّا، خاصة أنه سلاح المرأة الوحيد في هذه البيئة الزوجيّة العنيفة، وينال الأطفال نصيبهم أيضًا من هذا العنف، فالمنظومة التربوية الرسميّة والاجتماعية تسوّغ العنف وتراه أمرًا طبيعيًّا، وإن كانت نسبة لا بأس بها من جيل الشباب الجديد بدأت ترفض ذلك، لكن مع ذلك ثمّة من يستعيد –من أبناء جيلي الثلاثيني والأكبر على الأقل– بشيء من النكتة والمزاح أساليب ضرب آبائهم وأمهاتهم لهم، وأنواع الأدوات المستخدمة في الضرب، وهي إن كانت آليات تأقلمٍ وتنفيس عن وَقع العنف علينا، ولكن المفارقة أن البعض يعتبر أن هذا العنف كان لصالحه، وأنه أثبت نجاحه التربوي وبالتالي سيعيد إنتاجه على أطفاله مستقبلًا.

لن أدخل كثيرًا في تفاصيل الحادثة بعينها، فأي متابع هادئ للفيديو لن يجد عنفًا حقيقيًّا تجاه الأم السوريّة، تقوم الشرطيّة بتثبيتها ريثما تهدأ وتعرض عليها مرافقة أبنائها، وتبتسم للأطفال لتهدّئ من روعهم وسط صراخ الأم الهيستيري، ولا يحاول أفراد الشرطة مصادرة الفيديو الملتقط؛ لأنهم يدركون أنهم يتصرفون بموجب أمر قضائي، ويدركون أنهم لم يمارسوا عنفًا. تلقّف الفيديو قسم من الناشطين السوريين ممّن أفرزتهم الثورة السورية، واعتادوا أن يعتاشوا على ألم الناس ومظلوميّاتهم، وحاولوا الإيحاء بوجود مظلومية سوريّة ومظلومية إسلاميّة وراء الحادثة، وانطلق الخيال الشعبي ليقول إن السويديّين يسرقون أبناء المسلمين كي يُنسوهم دينهم، ويربوهم تربية سويديّة؛ لأنهم بحاجة إلى معالجة أزمة نقص السكان.

إن مجتمعًا مثل المجتمع السويدي تنخفض فيه نسب التديّن، وترتفع فيه نسب الإلحاد، تتعالى منظومته الحقوقيّة على الأديان بصورتها التقليدية أكانت إسلاميّة أم مسيحيّة، لا تُقبَل فيه الممارسات العنيفة تجاه الأطفال؛ بل إن النموذج التربوي الثقافي عن فكرة التربية والإنجاب مختلف كليًّا عما هو عليه في مجتمعاتنا، فيُعدّ الطفل للاعتماد على ذاته ولا يعتبر ملكًا لوالديه، ويعلّم الاستقلالية وبناء شخصيّته المستقلّة منذ الصغر، لذلك مثل هذه المشاكل التي ظهرت في الفيديو الملتقط وسواها لن تتوقف عن الظهور، وسببها الاختلاف الهائل في البنى الاجتماعية لدول اللجوء، والقيم التي بنيت مؤسساتها حولها عن بلداننا، هذه بلدان تطبق ما قاله جبران يومًا : «أولادكم ليسوا لكم أولادكم أبناء الحياة»، المقولة التي نردّدها نحن قولًا مأثورًا فقط.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد