عندما انتصرت الثورة الشعبية لهدفها، وهو إطاحة نظام عمر البشير في أبريل (نيسان) من العام الماضي، كان هناك مشهدان، أحدهما في العلن وواضح المعالم، والآخر خفي ومرتب موجود خلف الأبواب المغلقة، ذو تأثير بالغ حتى في المشهد الأول.

المشهد الأول هو الصورة الحقيقية والصادقة لشباب أغلبهم في الثلاثينيات والعشرينيات من العمر، يحملون قدرًا جيدًا من التعليم ولديهم مهارات تواصل جيدة مع مجتمعات أخرى مكنتهم من إدراك حقيقة تطور العالم من حولهم، وقيمة نهضة المجتمع والدولة في مختلف مناحي الحياة.

فعندما يقارنون ما يجري في العالم مع واقع بلادهم، يشعرهم هذا بالأسف والندم على واقع لم يكونوا سببًا فيه. ولأسباب أخرى انتفضوا على نظام حكم عمر البشير وأطاحوه بمساعدة مؤسسات أخرى تشاركهم الحلم نفسه، والأمل والأمنيات يمكن اختصارها في مطلب واحد وهو وطن يلامس عنان السماء، ويعيش فيه المواطن بحرية وسلام وعدالة، وقبل كل ذلك بأسباب العيش الكريم.

بعد انتصار الثورة مباشرةً أطل على الساحة السودانية المشهد الثاني الذي كان يجهز ملفاته الساخنة، وطبخته الفاسدة، التي طبخت ببهارات الندالة والخسة والغزارة السياسية، وسكب فيه الكثير من ملح الكذب والخداع، وصب فيه زيت الغدر والطمع وحب السلطة، وهذا المشهد كان يقوده عواجيز الأحزاب السودانية الفاشلة، التي ظلت لثلاثين عامًا يشتري فيها البشير ويبيع في رابعة النهار الأغر، حتى إنه يصعب عليك أن تذكر بعضها مع قائمة المعارضة أم مع عمر البشير.

المهم في الأمر استطاع المشهد الثاني أن يسيطر على الأول؛ لقلة خبرة الشباب، وخبث وذكاء عواجيز اليسار المتطرف، مستقلين وسائط الميديا والكراهية المتنامية لنظام الحكم.

استطاع منظرو المشهد الثاني أن يطبقوا أهم مبادئ الحرب الثورية بنسخة مدنية، بنجاح منقطع النظير في أيام معدودة وأهم ثلاثة مبادئ نجحوا فيها.

1. التشكيك في انحياز القوات المسلحة والقوات النظامية الأخرى للثورة والدفاع عنها.

2. إيهام الشعب بأن برنامجهم لقيادة الوطن جاهز وبحكومة متفق عليها وجاهزة.

3. تسويق الأحلام الوردية للمواطن المسكين، وأن سماء البلاد في قيادتهم ستمطر ذهبًا، إلى غير ذلك.

النتائج كانت قاسية جدًّا على الجميع، عينت الحكومة بعد خلافات ومخاض عسير، واعترف رئيسها بعدم وجود برنامج أصلًا لها، وبوجوه أقل من قامة الوطن بكثير، بل إن المقارنة بينها ووزراء البشير معدومة تمامًا؛ فشرب الجميع المقلب.

إلى هنا سرقت ثورة الشباب تمامًا، والأحلام العظيمة لهم في بناء وطن يسع الجميع انتهت، وأصبح المشهد المؤلم يجسده صورة مواطن يقف منذ الثالثة صباحًا وإلى السابعة أو يزيد ليبتاع ثلاثين رغيف خبز فقط، وآخر يقف بسيارته لثلاثة أيام في صف الوقود ليعمل في اليوم الرابع، أليس من حق أي كوز أن يقف شامخًا ليقول لحمدوك أحلامكم جزء من ماضينا.

لقد وقعت حكومة الدكتور عبد الله حمدوك في أخطاء كارثية كانت سببًا لهذا الوضع الاقتصادي الذي لم تصله البلاد منذ الاستقلال، ولأن هؤلا البشر الذين يحكمون البلد يفتقدون لأبجديات رجال الدولة، منذ تسلمهم السلطة كانت تستهويهم عاطفة الإعلام، ونرجسية الظهور، ومحاولة تملق الشارع والكسب الرخيص، فعمدوا إلى الانتقام من كل من كان محسوبًا على النظام السابق، ولدوا عداوات ليس زمانها طبعًا على حساب الوطن، استعدوا أكبر داعمي ثورة السودانيين، دولتي الإمارات، والسعودية.

أظهروا عدم تقدير للذين جلبوا شخصًا لديه ألف علامة استفهام ليتولى إدارة مناهج طلاب السودان في المستقبل، استعدوا الرأسمالية الوطنية، زجوا بوجدي ميرغني في السجن، واتهموا أسامة داؤد، وخونوا محمد إبراهيم مو، أكبر داعم للحكومات الأفريقية الراشدة.

هذه الأفعال الصبيانية ولدت لهم الأعداء في وقت عصيب يحتاجون فيه للجميع. فالمرحلة مرحلة بناء وتعمير وليس تمكينًا، نظام الإنقاذ نفسه لم يمكن للكيزان إلا بعد أن حقق طفرات اقتصادية كبيرة، واستخرج النفط، وارتفعت نسبة النمو الاقتصادي.

أدرك تمامًا أن الكثيرين بل الغالبية لا تريد أن تقول حقيقة أن حكومة حمدوك هي أفشل حكومة في تاريخ السودان، لكن الكثرة لا تغير في الحقائق.

على حمدوك أن يبادر بالاستقالة، وعلى قوى إعلان الحرية والتغيير أن تبحث عن رجال دولة لحكم البلاد، وليس ناشطين، حتى لا يقال انهار السودان بسبب خداعكم وحبكم لعرش على أنقاض الجائعين إلى الخبز والحياة والحرية.

اللهم احفظ بلادنا، وردنا إليك ردًّا جميلًا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد