إن المتأمل للحالة المصرية منذ ثورة يناير (كانون الثاني) 2011، وحتى الآن لن يطول اندهاشه من تصرفات العسكر فهي متشابهة، وأحيانًا متطابقة فسياسة البطش والظلم، وكذلك سياسة (فرق تسُد) التي استخدموها بين أطياف المعارضة، بل أحيانًا بين الجبهات داخل الطيف الواحد لم تفارق أداءهم التمثيلي الركيك منذ بداية الثورة، ولا داعي لسرد تلك المواقف عزيزي القارئ فلن تشعر بعد قراءتها، إلا بالمرارة والندم على الفرص الضائعة على هذا الوطن بسبب إجرام هؤلاء العساكر.

عقيدة عسكر كامب ديفيد ومن تابعهم تقوم على (العنجهية) الكاذبة والبطولات الزائفة التي يتغنى بها العسكر وإعلامهم طوال هذه العقود فلن تجد فيهم مقاتلًا شجاعًا، أو محاربًا شهمًا، أو قائدًا ذا شخصية، أو عبقرية عسكرية تخطط لحماية الوطن، فهم عبارة عن مجموعة ذيول تابعين لهيمنة أكبر منهم، ويتلخص دورهم في تنفيذ الأوامر وفقط.

ولك أن تتخيل كم أن هؤلاء المنفذين منبطحون أمام أسيادهم بقدر إجرامهم مع شعوبهم! وكأنهم يخفون عقدة الذل الذي يعيشونه في تصرفاتهم الهمجية ضد الشعوب التي تتوق إلى الحرية، هذه العنجهية التي يصرف العسكر مليارات الشعب المسكين على الإعلام للحفاظ عليها لتظل الصورة أمام جموع الشعب أن الجيش هو الذي يحميهم، وبدونه ينهار الوطن، وتباع الأهرامات، ويجف النيل، وتذهب سيناء للفلسطينيين، وتذهب حلايب وشلاتين للأشقاء في السودان ونصبح مثل (سوريا والعراق).

ونعود للتأمل في الحالة المصرية وهنا تقف مندهشًا – ربما طويلًا – أمام تصرفات المعارضة المصرية، والتي كانت جميعًا بلا استثناء تتصرف بحماقة المراهق ورعونة الشاب الأمرد، وتكاد لا ترى مواقف ناضجة حتى في اللحظات الفارقة من عمر الثورة ومن عمر الوطن، فيغلب على تصرفاتهم جميعًا مراعاة مصالحهم الخاصة، ومكاسبهم السياسية والانتخابية، وقواعدهم الشعبية، دون مراعاة لمصلحة الوطن، كان الجميع يرى نفسه البديل المناسب، وهو القوي الأمين الذي يجب أن تثق الجماهير فيه، كان الكل يشكك في وطنية الكل، حالة من السيولة السياسية والحرية غير المنضبطة لم يستغلها إلا العسكر والدولة العميقة، ونجحوا للعودة سريعًا إلى أماكنهم ومناصبهم، وخلال ثلاثة أعوام فقط رأينا الثوار في السجون والفاسدين في قصورهم، لم تفّرق الدولة العميقة ومجلسها العسكري بين إسلامي وليبرالي، بين يساري ومعتدل فرفعوا شعار «السجن للجميع»، المعتقلات تكتظ بالمعارضين من جميع الأطياف، والعجيب أن المعارضة في بلادنا ليس فيها أي نوع من المنافسة الشريفه أو حتى مراعاة مصالح الوطن العليا، أو الحفاظ على مكتسبات الثورة، فلا مانع لدي أن أستعين بصاحب الدبابة ليبعدك عن المشهد ظنًا منّي وبكل سذاجة أنني سآخذ مكانك، ولم أكتشف الخدعة إلا بعد فوات الأوان، لم أفهم أن العسكر يرانا بنفس المستوى، لم أفهم أن العسكر يستخدمني ديكور للإطاحة بك إلا متأخرًا جدًا، كم كنت غبيًا حين لم أستطع أن أهزمك بصناديق الاقتراع فاستعنت بدبابات الاقتلاع، ولم أفطن أن الدبابات هي آلات للهدم لن تبني وطنًا، ولن تتركني وسيأتي اليوم وتمضى على جسدي أنا أيضًا.

حتى بعد سنوات من انقلاب يوليو (تموز) 2013، والمعارضة المصرية تسير على نفس المنهج في التخوين والتشرذم، فأنا أطلب أن تعتذر عما فعلت، وأن تعود تحت رايتي دون قيد أو شرط، ثم تندم، أو لتبكي، ثم بعدها أنا أقرر، هل أسامحك؟ هل أقبلك في جنة المعارضين؟

أما أنا فلن أعود إليك إلا بشروطي، فلا اعترف بعودة الرئيس، وأضع لك طلباتي على الطاولة من الآن، وإلا فلن أعارض معك! مشهد عبثي نجحت في الترتيب له الدولة العميقة، وساعدها حماقة وقلة خبرة المعارضين وأطماع البعض في المناصب والسيطرة.

والآن وبعد أكثر من سبع سنوات على هذا الانقلاب المشئوم، أتمنى أن تتعلم أطياف المعارضة الدرس، بعد أن ذاق الجميع من ظلم نفس الجلاد، أما آن للمعارضة من كلمة سواء تجمع الشمل، أما آن للشعب أن يتوحد، فالجميع غرق في ظلم العسكر، لم يتبق للشعب ما يخسره فقد وصل الإجرام لهدم البيوت فليراجع الجميع حساباته من أجل هذا الوطن الغالي فهو يستحق.

إن الهوان والظلم الذي يشعر الناس به هو نتيجة طبيعية لما حدث منذ 3 يوليو 2013، فيا كل أطياف المعارضة في الداخل والخارج، ويا كل أبناء الشعب المصري إن جلادكم واحد، فاتركوا كل الخلافات وتوحدوا لأجل وطننا الغالي، وإلا فإن التاريخ لن يرحمنا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد