فادي عمروش
فادي عمروش

2,915

لطالما دار في خلدي التساؤل الآتي: لِمَ نُحافظ على نشاطاتنا مخزنة عبر (فيس بوك) لسنواتٍ عديدةٍ ومُتاحة للأصدقاء، سواء المقرّبين منهم، أم الّذين نعرفهم معرفة سطحيّة؟ أعتقدُ أنّ مواقعَ التّواصل الاجتماعي، لم تُصمّم لتخزين البيانات للعودة إليها لاحقًا، وإنّما هي: عبارة عن منصّةٍ لطرح الآراء والأفكار وحتّى المشاعر اللّحظيّة، إذ يُسجِّلُ الأعضاءُ تعليقاتهم وإعجابهم بالأحداثِ الآنية الّتي تحدثُ من حولهم أوَّلًا بأوّل، وحتّى مُشاركة صورهم المُهمّة ولحظاتهم على وجهٍ آنيّ.

لعلّهُ غنيٌّ عن الذّكر احتفاظ (فيس بوك) بكلّ ما سبق بواسطة سجلّ الأنشطة، إذ يُمكن من سجلّ الأنشطة الوصول إلى منشورٍ مُعيّنٍ أو حدثٍ ما أثناء تاريخ سابق، حيثُ تشملُ هذه الأنشطة: منشوراتك الخاصّة، وتعليقاتك على الصّور، وإعجابك بالصّفحات الّتي زُرتها، حيث يمكن الوصول لسجل النشاطات عند النقر على صورتك الشخصية على الفيس بوك كما في الصورة.

قد يغيب عن ذهن البعض، خاصّة غير التقنيّين، أنّه يُمكن للجميع الوصول إلى تلك الأنشطة لأنّها عامَّة، وأعني بالجميع هُنا: أيّ شخصٍ من طريقِ ميزة البحثِ البياني الّتي يُتيحها (فيس بوك). بعبارةٍ أُخرى؛ يُمكن لأيّ شخصٍ من طريقِ البحثِ البياني أن يجمعَ تلك الأنشطة، ويعرف جميع اهتماماتك، ووجهة نظرك حول جميع الأمور بواسطة رؤيتهِ لما تُعجب به، وما تُعلّقُ به على الآخرين، وربّما حتّى معرفة حالتك النّفسيّة في يوم من الأيّام بالاستناد إلى إعجابك بأغنيةٍ حزينةٍ، أو نشرك لأغانٍ عاطفيّةٍ في فترةٍ مُعيّنة. لا نتكلم هنا عمّا يمكن للجهات المختصة أيضاً الاطلاع عليه إن أرادت ذلك.

ذات مرّة، سألتُ أحد الأصدقاء الافتراضيين: يبدو أنّك تُحضِّرُ للسّفر إلى السّويد، فأجابني مدهوشًا: كيف عرفت ذلك، ومن أخبرك؟ رجاء لا تُخبر أحدًا، فأجبته، طوال الشّهر الماضي وأنت تُتابع الصّفحات الّتي تدلّ على أنّك تُحضّر للسّفر وتُعجَب بها، وحتّى منشوراتك تُعبّر عن الرّحيل، الأمرُ واضحٌ من سلوكك العام على (فيس بوك)، ولم يخبرني به أحد.

بالانتقالِ إلى مثالٍ آخر، أرادَ أحدهم التقدّم لخطبة فتاة ما، وقبل أن يتقدّم لخطبتها، بحث في ملفّها الشّخصي على (فيس بوك)، واستطاع الوصول إلى قائمة أصدقائها، ومن ثمّ معرفة الأصدقاء المُشتركين معه، ومن ثمّ الوصول إلى الصّفحاتِ الّتي أُعْجِبَتْ بها، وتُعطي انطباعًا عن شخصيّتها، ورأيها السّياسي، ومقدار ثقافتها، وإلمامها العلمي، وتعليقاتها على صور أصدقائها،لم يستغرق كلّ ما سبق أكثر من رُبع ساعة.

لا يقتصر جمع تلك الأنشطة على الصّعيد الشّخصي فحسب، وإنّما يؤثر في مجال الأعمال أيضًا، وإذا اعتقدتَ أنّ ذلك لا يهم؛ فأنتَ مخطئ بوجهٍ أو بآخر، فعندما تتقدَّمُ إلى وظيفةٍ ما؛ يبحثُ ربّ العملِ عن الملفّات الشّخصيّة للمُتقدّمين للعمل، ويستثني الّتي يجدها غير مناسبة، وقد لا يكون ذلك بسبب سلوك شائن فعلته على (فيس بوك)، وإنّما يُمكن أن يكون بسبب أنّ اهتماماتك تتعارضُ مع اهتمامات ربّ العمل، فيعزف عن دعوتك للمقابلة مع وجود مُؤهلاتك العلميّة المُناسبة، وغنيٌّ عن القول: إنّك لن تستطيع التنبؤ باهتمامات ربّ العمل.

أضف إلى ذلك تطور تقنية التعرف على الوجوه والتي تتيح للفيس بوك التعرف عليك مباشرة، أو لبرمجيات أخرى التعرف عليك مباشرة. على سبيبل المثال قام أحد الباحثين بتجربة التقاط صورة لأحد المارة ومن ثم الطلب منهم ملء استبيان لدقائق، و خلال فترة ملء الاستبيان، قام باستخدام برمجية لمطابقة الوجوه، وأعطت احتمالاً قريبًا له من خلال بحثها في صور فيس بوك، والتعرف عليه. تخيل أن فيس بوك قد تعرف على صورتك في إحدى الحفلات وأشار لها، ونسيت حذف الإشارة، وقام رب العمل بالبحث عنك عبر الفيس بوك قبل مقابلة العمل وشاهد تلك الصورة، من يدري ربما لوظفك مباشرة، ولربما قام بإلغاء فكرة توظيفك مباشرة.

هُنا يأتي التّساؤل، هل يُمكن حذف تلك الأنشطة كلّها؟ حقيقة؛ لا يُتيح (الفيس بوك)، مُتعمّدًا، إمكانيّة حذف النّشاطات جميعها بكبسةِ زرٍّ، وإنّما يُتيح، فقط، حذف النّشاطات فرادى، نشاطًا تلو الآخر. وأترك لك تخيّل مئات النّشاطات أو لنقل آلاف النّشاطات الّتي لا يُمكن حذفها سوى نشاطٍ تلو الآخر مما يتطلب وقتاً هائلاً، ومستحيلَ التنفيذ عملياً. أمّا إذا كنت تفكر بوجود برمجيّات مُعيّنة تُساعدك على ذلك، فقد جرّبتُ كثيرًا منها، وبعد جهدٍ كبيرٍ، عادتِ الأنشطةُ المحذوفةُ إلى الظّهور بعد مُدّةٍ مرّة أخرى، وكأن (فيس بوك) لا يقبل حذفها برمجيًّا، فقط يدويًّا!

لتقريب ذلك للذهن، لو كان لديك حساب فيس بوك منذ عام 2005 فقد يصل عدد نشاطاتك المختلفة وسطياً لحوالي ثلاثين ألف نشاط، والتي تحتاج لحوالي 2400 صفحة لطباعتها. سأترك لك تخيل الكم الكبير من العمل اليدوي الشاق لإلغاء كل نشاط على حدة، على سبيل المثال، فقد يستغرق حوالي الساعة من العمل الممل والمرهق حذف نشاطات شهر واحد فحسب وسطياً.

على صعيد آخر، فكرت بالطرق المؤتمتة التي يمكنها حذف النشاطات بشكل أوتوماتيكي، والتي تبين لي لاحقاً أنها غير متاحة بالشكل العملي الأمثل، وحقيقة جربت الكثير من الأدوات المتاحة عبر الإنترنت، والإضافات المتاحة لمستعرضات الإنترنت والتي تقوم بحذف النشاطات بشكل أوتوماتيكي، وحسب هذه المقالة فأشهرها هو Facebook Timeline Cleaner و Absterge ، والتي عمل بعضها بشكل جيد، وآخر يحتاج لجهد تقني لاستخدامه، وحسب كاتب هذه المقالة ، فقد عادت مجموعة من النشاطات للظهور مرة أخرى، وهو ما حصل معي أيضاً، وذهب كل التعب سدى، إن الفيس بوك مصر على إعادتها. وعلى أية حال لم يعمل البرنامجان السابقان معي بشكل فعال، رغم نجاح ذلك مع البعض، كما جربت حلولًا أخرى، لكن النتيجة النهائية هي عدم فعاليتها في نهاية المطاف.

خلاصة الأمر، بَعيدًا عن التّفاصيل التقنيّة، إذا اعتقدتَ مثلي أن لا طائل من الاحتفاظ بهِ ومشاركته معَ الآخرين، يُمكنُ أنْ أجزمَ، بعد أسابيعَ من البحثِ والتّجربةِ، أنّ الحلّ الوحيد لحذف الأنشطةِ هو: تعطيلُ حساب (فيس بوك)؛ مَا يُؤدّي إلى اختفاء جميع نشاطاتك. لذلك أقترحُ عليك إنشاء حساب جديد كل فترة، وإضافة أصدقائك مرّةً أُخرى، وهَلمَّ جَرَّاً، وإذا كنت تستهين بالخصوصيّةِ وأهميّتها، أنصحك بمُشاهدة محاضرة تيد TED من الباحث (أليساندرو أكويسيتي)، الّتي ستُغيّر رأيك، غالبًا، بعد مُشاهدتها.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

تعليقات الفيسبوك