قبل أيام، شاهدنا جميعًا عملية الدعس الكبيرة التي وقعت في مدينة نيس الفرنسية، وهزّت أرجاء فرنسا، وأودت بحياة ما يزيد عن 80 قتيلًا من المدنيين الفرنسيين، كأكبر وأول عملية من هذا النوع.

خرج الزعماء والوزراء والقيادات والشخصيات «مسلمين وغير مسلمين» لينددوا بهذه العملية، ووصفوها بالعملية الإرهابية الإجرامية البشعة، لكن اللافت هو تصريح الرئيس الفرنسي فرانسوا هولاند والذي قال فيه: «إنّهُ لا يمكن إنكار الطابع الإرهابي لعملية الدعس التي تمت في مدينة نيس جنوب البلاد»، معتبرًا أن فرنسا كلها تقع تحت تهديد الإرهاب الإسلامي!

ويبدو أن الحقد على الإسلام بات لسان حال هولاند وأمثاله، ويكأنهم لم يسمعوا تنديد جموع علماء المسلمين بهذه العملية والتي لا تُمثل الإسلام في شيء، لكنهم وبصورة «دنيئة» باتوا يحاولون استغلال كل مناسبة لتشويه الإسلام؛ «ولن ترضَى عنكَ اليهودُ ولا النَّصارَى حتى تتبعَ ملَّتَهم» فعلًا!

وإذا ما أردنا أن نعلم وجهة نظر الإسلام من هذه العملية، فعلينا بطبيعة الحال الاحتكام إلى القرآن والسنة، وأول ما نذكره؛ أن مُنفذ العملية ذو أصول عربية، بمعنى أنه دخل إلى فرنسا بجواز سفر ووثائق رسمية، وهي بمثابة «عقد أمان» بينه وبينهم، وبالتالي فإن الحكم الشرعي نراه في قول النبي صلى الله عليه وسلم، في شأن من غدر بمن أعطاه الأمان، فسفك دمه: «أيُّما رجل أَمَّن رجلًا على دمه ثم قتله، فأنا من القاتل بريء، وإن كان المقتول كافرًا»، وفي رواية: «فإنه يحمل لواء غَدْر يوم القيامة».

ومن سلوك المسلم إذا ما عاهد أحدًا أوفى بعهده، وإن اشتمل عقد الوفاء ببعض الظلم له، فقد قبل بعقد المواطنة في بلاد الغرب، وأُعطِي الإقامة أو الجنسية بناء على ذلك، فوجب عليه الوفاء بما اتفق عليه.

وخير مثال على ذلك؛ ما حدث مع الصحابي الجليل حذيفة بن اليمان رضي الله عنه، إذ يقول عن سبب غيابه عن غزوة بدر، وهي أولى معارك الإسلام المهمة: «ما منعنا أن نشهد بدرًا إلا أني وأبي أقبلنا نريد رسول الله، فأخذتنا كفار قريش، فقالوا: إنكم تريدون محمدًا، فقلنا: ما نريده، إنما نريد المدينة، فأخذوا علينا عهد الله وميثاقه لتصيرون إلى المدينة، ولا تقاتلوا مع محمد، فلما جاوزناهم أتينا رسول الله، فذكرنا له ما قالوا وما قلنا لهم، فما ترى؟ فقال النبي: «نستعين اللهَ عليهم، ونفي بعهدهم»، فانطلقنا إلى المدينة، فذاك الذي منعنا أن نشهد بدرًا».

والشواهد في هذا الأمر كثيرة ومتعددة، وتبرز الوجه الرحيم للإسلام في الحرب ضد الكافرين، فالإسلام لا يقاتل إلا من يقاتله؛ «سلمٌ لمن سالمنا، حربٌ على من عادانا»، ولكن يبقى السؤال: ما الذي يدفع بعض الشباب المسلم إلى هذا الغلو وتنفيذ عمليات كهذه؟!

جاهلٌ من يحاول الفصل بين الأحداث في العالم الإسلامي، وبين العمليات الهجومية في قلب أوروبا، فحالة الغليان التي وصل إليها المسلمون بلغت الأفق، نتيجة الإجرام الأوروبي في الدول العربية والإسلامية، والحجة المزعومة جاهزة: «مُحاربة داعش»!

ونحن هنا لا نحاول أن نبرر لمن يفعل هذه العمليات، ولكن العينين اللتين منحنا إياهما الله يجب أن ننظر بكلتيهما دون إغماض لواحدة دون أخرى، فالتعامل الأمني الأوروبي مع الدول العربية والإسلامية، ودعم الأنظمة على حساب الشعوب، وعدم التمييز بين الجماعات المتشددة وبين الثوار الذين يطالبون بالحرية لهو خير الأسباب وأوضحها على الإطلاق.

الأنظمة الغربية باتت تتعامل مع الدول العربية على أنها «حقل تجارب»، وساحة للتدريب الميداني لجنودها، وأضحت لا تفرق بين الجماعات المتشددة، وبين من يطالب بالحرية، وتجمعهم في خانة سواء، وترميهم عن قوسٍ واحدة، فلمَ يستغربون من رد فعل الشباب في تلك الدول؟!

يجب على الأنظمة الغربية إعادة تقييم لنظرتها الأمنية تجاه الدول العربية والإسلامية، وألا تخلط بين الثورة على الظلم، وبين الإرهاب والتشدد الذي لا يمثل الإسلام، فالإسلام دين بناء وحضارة وتميز وعلم ورقي وتطور، ولكنه شديد البـأس إذا ما أهانه بشر.

في النهاية؛ لا نُبرر القتل والإرهاب، ولا ننسى أن الإسلام هو الدين الثاني في فرنسا، وأن عدد المسلمين فيها تجاوز حاجز ستة ملايين مسلم في إحصائيات سابقة، وهذه العمليات أسوأ ما تكون على المسلمين هناك.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد