اليأس خيانة. جميل جدًا، لكن هل اليأس فقط هو النوع الوحيد من الخيانة للثورة؟ حدثنا أكثر عن أنواع الخيانه الأخرى، أليس تجاهل الثورة والتشاغل عنها خيانة؟ ألا تعتبر أن ترك الأموال في بنوك العسكر والانقلاب خيانة؟ ودفع فواتير للحكومة كالكهرباء والماء والهاتف خيانة؟ فأنت تمدهم بالمال اللازم لاستمرار دولتهم وقتًا أطول. ألا تعتبر أن التعامل بعملة العسكر خيانة وأن تحويل كل الأموال للدولار أو الذهب أو اليورو وتحويلها خارج مصر الآن هو العمل الوطني الحقيقي الذي قد يعجل بفناء دولة العسكر؟ ألا تعتقد أن المشي ساكنًا في شوارع دولة العسكر خيانة للمعتقلين وللثورة؟ ألا تعتقد أن استمرار تعاملك مع جهات الدولة دون تحفظ ودون محاولة جعل ذلك في أضيق الحدود خيانة؟ ألا تعتقد أنك يجب أن تقوم بعصيان مدني صغير وفردي؟ ألا تعتقد أن شراء الأراضي والشقق من هذه الدولة خيانة فأنت تعترف بها وتمدها بالمال وتشتري أرضًا ملكًا لك من الأساس.

أين العصيان المدني؟ أين القصاص من أجل الشهداء يا شعب مصر؟ كيف تنامون ليلًا بمنتهى راحة البال بينما هناك مائة ألف معتقل وبينما قتلة الشهداء في رابعة طلقاء يمرحون مع أبنائهم ويضحكون؟ أنتم أيضًا أيها الساكتون خونة، كلكم خونة، إن لم تكن الثورة همك الأول فقد سقطت في نوع من أنواع الخيانة.

لا، أنا لا أملك أن أعاقب أحدًا ولكن ليس معنى أن الشعب كله يرتكب تلك الخيانة أنها أمر مشروع

بل إن الشعب يستحق ما يناله من حكم ظالم وبؤس ومهانة وعطش قريب بإذن الله، حتى يستفيق وكما تكونون يولى عليكم.

كما ضرب ربنا التيه على بني إسرائيل 40 عامًا حتى تتبدل الأجيال. لست أدري كم نبقى نحن في الذل والعطش وحكم العسكر حتى نفهم.

 

إذا كان الإخوان بوصفهم أكبر جماعة مصرية منظمة في معسكر الثورة، إذا كانوا قد ضربهم النزاع والشقاق الداخلي وأصابهم العطب والاختلاف حول ما يجب فعله لمناهضة حكم العسكر؛ فإن هذا ليس بعذر كافٍ لبقية أفراد الشعب المصري وجماعاته. هل من مبادر؟ هل من تحرك لتنظيم ثوري جديد أقوى وأقدر على مواجهة متطلبات المرحلة أم إننا شعبًا وثورةً سنقف كالطفل الذي ينتظر أن تصحبه أمه إلى المدرسة؟ الإخوان ليسوا قدرًا أبديًا وحتى يقوموا بحل مشاكلهم على الشعب أن يجد قاطرة أخرى لقطار الثورة.

 

للأسف لقد دخلنا في مرحلة جمود ثوري ربما تستمر ثلاثة أعوام وربما تستمر عشرة أعوام، لست أدري. لكنها مدة كافية جدًا لكي يحطم نظام الجاسوس الإسرائيلي مصر أكثر وأكثر ويزيد ديونها وينشر المرض بين أبنائها ويحطم مقدراتها وثرواتها، حتى إذا استيقظنا بعد تلك السنين، نجد أن الخراب قد انتشر وأن الإصلاح يحتاج إلى وقت أطول وجهد أعظم، من عمر أجيال كاملة. سحقًا وتبًا وتعسًا لمن قادنا من زعماء تلك الثورة لهذا الوضع المؤسف؛ أتمنى لو يعلَّقون هم أولًا على أعواد المشانق قبل أي مجرم من مجرمي النظام العسكري.

 

الثورة تقريبًا قد ماتت في الشارع ولم يبقَ منها إلا شعلة صغيرة في قلوب الأحرار والمقهورين،

وانشغل معظم الناس بأكل العيش في الداخل أو السعي وراء الهجرة لكندا أو أمريكا أو غيرها، يأسًا من وجود خلاص جماعي لكل المصريين في وطنهم. إذًا فلا مفر من البحث عن الخلاص الفردي؛ من معه شهادة علمية مرموقة فسوف يهرب للعمل بالمجتمعات المتحضرة، ومن معه رأس مال فسوف يهرب مستثمرًا إلى الأجواء الأوروبية والأمريكية، ومن ليس معه أي شيء لكنه لا يطيق العيش في هذه المخروبة فسوف يحاول الهرب إلى هناك أيضًا عبر قوارب الموت للهجرة غير الشرعية مغامرًا على طريقة حياة جيدة أو هو الموت أفضل من هذا الجحيم الوطني. فقط سوف يبقى بعض الوطنيين المخلصين الأغبياء والبلطجية والفقراء والجهلاء في هذا الوطن أو من حبسته الظروف عن الهرب أو أبناء النظام المستفيدين منه من اللواءات وضباط الجيش والشرطة وأبناء القضاء الشامخ، فسوف يبقون في منتجعاتهم المغلقة لكي يحكموا ما بقي من الهمج في هذا الوطن المكسور. تبًا لأوطان كهذه.

 

الطريق أمام هذا الوطن مسدود؛ فالتصالح مع النظام القاتل سيكون وبالًا على من يقبل به ولن يعود عاقل لهذا الوطن إلا بعد القصاص.

والمواجهة الفعلية لهذا النظام القاتل وكسره بالقوة تحتاج رجالًا شجعانًا، والوطن ليس به رجال شجعان. عقمت بلادي أن تنجب رجالًا كهؤلاء.

إذًا ما الحل؟ لا أجد إلا الصبر وسنظل في حالة لا سلم ولا حرب مع هذا النظام دهرًا إلى ما شاء الله حتى يقرر الشعب يومًا أنه يريد الحياة. فالقدر لا يستجيب للشعوب الكسولة.

 

حتى ذلك الحين، أدعو الله أن يفرج عن المعتقلين وذوي الشهداء الذين دفعوا الثمن الغالي وتغير مسار حياتهم إلى الأبد. لكن القادة والزعماء السياسيين المحسوبين على الثورة ضيعوا كل تلك الجهود هدرًا؛

كان عليهم إما أن يجنبوا الشباب كل تلك الدماء من البداية، أو أن ينجحوا في توجيه وإدارة تلك الجهود لتحقيق نصر مجيد لتلك الثورة. لقد دفع الشباب الثمن لكنهم لم يحصلوا على البضاعة. لم يحصلوا على النصر على النظام رغم أنهم كانوا على استعداد لدفع هذا الثمن وأضعافه مقابل أن يحصلوا على هذا النصر.

 

هذه عملية نصب مكتملة الأركان قام بها من أوهمونا أنهم زعماء لتلك الثورة، لكنهم كانوا خير عون وسند لأعدائها بغباء وعجز منقطع النظير في إدارة المعركة. استقيلوا عليكم اللعنة واعتزلوا الحياة السياسية.

يا إلهي سبحانك، لماذا تطول أعمار هؤلاء الأغبياء؟ متى تموتون ونرتاح من زعامتكم الإجبارية؟

 

 

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد