– قالوا لنا ذات زمن من يحمل خريطة لا يتوه، ومن يتكلم وليس أبكم لا يضل الطريق، علمونا أن نحمل بطاقة التعريف الخاصة بنا قبل حقيبة ملابسنا، كي لا نتعرى من الألقاب، وجواز سفر دولتنا قبل محفظة النقود، كي نلجأ لسفاراتنا في حالة أفلست وطنيتنا، وأن نشحن هواتفنا فوق المائة بالمائة، شيء من بحة الصوت وطمأنة الأهل، خوفًا علينا من الموت.

– للتذكير نحن الجيل الذي لم يعد يخيفنا الموت، بالقدر الذي أصبحت ترهقنا فيه الحياة، جيل يتمنى أن يكمل يومه دون عناء، لا يفكر في الغد، ذلك القريب البعيد الذي أدخلوه ثلاجات التجميد، فما عدنا نفكر في إخراجها ولا حتى في إذابة جليد الأمنيات عنه، أيامنا عادت مخيفة مرعبة ومقززة، أرقام تضاف لأعمارنا، لا لأرصدة إنجازاتنا، وسنوات نتخطاها في هذا الزمن لا لسلم طموحنا، أصبح الموت أمنيتنا ومطلبنا الجماهيري.

– كلنا دون استثناء من كبيرنا الذي تعدى الشيخوخة بكومة من التجاعيد، لصغيرنا الذي تخطى المشي بطبطبة على أرضية البيت، نجلس أمام الشاشات، نجرب الموت عن بعد، الموت بالمراسلة، بالحوارات، بالنقاشات، بصور عالية الجودة، وفيديوهات عالية الصوت، نجرب موتًا آخر لم تذكره الأبحاث الطبية ولا الجامعات العالمية في مقرراتها الدراسية، ماذا يسمى هذا الموت الذي نشاهده في التلفاز؟

– اليوم ونحن نشاهد الغوطة الشرقية، التي أضحت ركامًا، لا نعرف منه غبار البنايات، أم حطام العظام، تلك البقعة التي تبثها القنوات ليست مدينة لإنتاج الأفلام، ولا حتى مكانًا لتصوير مشهد من مشاهد الدمار في مسلسل من المسلسلات، هي تجسيد حي ينطق في كل مرة، ليثبت أن مشاهد الحروب التي تضمنتها كل الأفلام عبر العصور، تصنع في وطننا العربي بحرفية، وصدق، وواقعية لم يبلغها أحد من قبل، فمن ينافسنا اليوم في إنتاج الموت؟

– جربنا كل طرق الموت، فما عاد التعذيب جزءًا من إزهاق الروح، ولا التهجير جزءًا من تأديب النفس، تساوت لدينا الخيارات، فالموت واحد، والروح التي تسحب من الجسد لا تعافر، تخرج هنالك بسلام، معلنة طواعيتها للممات، رأينا الأبشع، وما عادت أفلام أكل البشر تؤثر في المواطن العربي، ولا حتى تزيد نبضات قلبه، وتؤثر في ارتفاع هرمون الأدرينالين، نحن نعيش الواقع بكل ما تعنيه الكلمة من مرارة.

– هناك في الغوطة الشرقية؛ بدل أن يجرب أطفالنا اللعب واللهو، أن يختبئ أحدهم ليجده صديقه وراء الشجرة، أصبحوا يختبئون خوفًا من الموت في أحضان أمهاتهم، ومع ذلك تجدهم الطائرات المحلقة، معلنة نهاية اللعبة، ما عاد الشباب يسرح شعره ويتأنق أمام المرآة، متباهيًا بعضلاته المفتولة، ما دامت ستنهي به جثة في ثلاجة حفظ الأموات، ملفوفًا بكفن أبيض، هذا إن وُجِد هناك شيء يوحي بالبياض، نساء يبحثن عن فتاوى تبيح الانتحار خوفًا من الاغتصاب، تخاف أن يفض غشاء البكارة عندها مغتصب، وتفضل الموت على يدها، رافضة أي يد تلمسها، شيوخ فقدنا العكاز واكتفينا بالجلوس على أرصفة الزمن منتظرين رحمة التفجيرات عساها تحررهم من عد الأيام، ومشاهدة الكثير من الأشلاء.

– نحن الذين نجلس في بيوتنا، وفي مكاتبنا، نطالع الأحداث خلف الشاشات والهواتف والحواسيب، نشارك المنشورات والصور والفيديوهات، نتناقل الأحداث والروايات، نبكي تارة وننسى تارة، نلجأ لسجادتنا محملين بالكثير من الدعاء، مرددين حسبي الله ونعم الوكيل، مكتفين بتنهيدة وبلع القليل من الريق، جاحظة أعيننا لا تعلم أي شيء، رافضة كل أنواع الذل متواطئة مع كل أشكال الصمت، مساندة لكل المظاهرات في العالم، ماكثة في بيوتها معلنة الاعتكاف في محراب الشجب، تندد بـ«الهاشتاج»، مستنزفة الكثير من فواتير الكهرباء، متعبة لذلك الإبهاء الذي كان من المفروض أن يكون في عين الطاغية أو ضاغطًا على الزناد.

– يحزنني أن أبلغكم بأننا أموات، مع قيد النبض والحواس، أشارككم الموت، فنحن في مرحلة الحساب والعقاب، حساب ندفع ثمنه غصة لا تغادر حلقنا، لا تغادر كتب التاريخ التي ستؤرخ لكل هذه المجازر، عقاب نتيجة كل أنواع الظلم التي مورست في حقنا، للرؤوس التي سحقت تحت أرجلهم، ونحن نظنها دروسًا لنا، لبراميل الدماء التي عدنا نصدرها للعالم، ونسقي بها الأراضي عساها تنبث شوكًا يحاربهم بدلًا منا، يلتصق في البيادة فينخر قدم الطاغية، تنزل منه قطرة دم فنصفق، نحن الذين تكفينا قطرة واحدة كي نغفر لأنفسنا، يكفينا حرفا الوجع «آي»، كي نخرج للشوارع محتفلين بهذا الإنجاز الذي يطمئن قلوبنا، لا يوجد عجز بالعالم يفوق عجزنا الآن.

– قد يرويك بعد العطش كأس من الماء، لكن بعد الوحشية لن تكفيك جميع دماء البشرية، قل لهم إننا نغرق بدمائهم غير فاقدين لتنفس، مكتفين بفقد أكسجين الإنسانية، مواصلين السباحة في صمت، نحمل دليل استعمال الموت، الوجهة الغوطة بالأحمر سترسي بك سفينة الذل هنالك ستجد جميع المعدمين بقلوبهم، المشنوقين بقلة حيلتهم، المكبلة أصواتهم والمعلقة عيونهم.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد