(نعم لقد انتصر البرغوث الضعيف على الكلب السمين).

بهذه العبارة متناهية الصغر تستطيع أن تلخص بدون تعقيد معضل، أو تبسيط مُخل جوهر حروب المستضعفين، أو الاسم الأشهر عالميًا (الجاريلا), تلك الحروب التي خاضها الإنسان منذ رحلته بعيدة الأمد على سطح المعمورة، تلك الحروب التي كانت ومازالت وستظل درع المهضومين، وستظل سيف المظلومين في وجه الظالمين، والحصن الحصين للضعفاء والمقهورين في وجه البغاة المعتدين، أيًا كان دينهم أو لونهم أو شكلهم.

حروب تمتلك ريح الأمل والرعب في آنٍ واحد، سلاح يرأب الصدع ويشتت الشمل في ذات الوقت. والعلامة الكبرى على انفجار القنابل الاجتماعية والسياسية والاقتصادية الموقوتة، التي طالما زرعها أولئك المستعمرون أو المحتلون أو الديكتاتوريون في حياة شعوب ومجتمعات أنهكها الضعف والقمع والتسلط واالتجبر والإبادة والفساد والإفساد.

أو أنها ببلاغة زعيم الثورة الشيوعية الصينية وقائدها الأبرز وأحد مؤسسي هذا العلم وواضع قواعده في العصر الحديث “ماوتسي تونغ” حين لخصها قائلاً: (إنها المثال والرمز الأبرز للثورة الشاملة).

تعريف حرب العصابات:

من أجمع التعريفات التي صدرت في هذا الباب التعريف الذي صدر عن الخبير العسكري الأمريكي الأشهر “روبرت باتر” في كتابه – حروب المستضعفين – حيث يُعرفها كالتالي: (هي شبه علم سياسي عسكري، ونظرية اجتماعية وابتكار تكتيكيٍ وإستراتيجي في الوقت نفسه) أ.هـ.

إلا إنه للإنصاف وكما سنعرف حين نتعرض للجانب التاريخي للحروب، أنها ليست حكرٌ على أحد بعينه أو فئة أو جماعة بعينها؛ نقول للإنصاف أن أكثر من طوروا فيها وأسسوا لها وقعدوا لها القواعد هم الشيوعيون خاصة، وهم الأكثر في خوض هذه المعارك في العصر الحديث من أمثال: (تشي جيفارا – ماوتسي تونغ – فيديل كاسترو). وحتى نستطيع أن نلخص كل التعريفات والآراء الكثيرة في تعريف حروب العصابات نقول بأنها هي:

1- شبه علم سياسي عسكري.
2- ونظرية اجتماعية.
3- ومجموعة من الإستراتيجيات والتكتيكات.
4- أوضح الرموز على الثورة الشعبية.

نبذة تاريخية:

كما قدمنا في بداية هذا التقرير فإنه حتى الإنسان البسيط منذ أن بدأ رحلته على سطح المعمورة، ومنذ أن تجذرت صور ومحددات الصراع وأصبح هناك الضعيف والقوي، والظالم والمظلوم، والمُستعمَر والمُستعمِر، بدأت إرهاصات حروب العصابات، استخدمها كل الضعفاء والمهضومين والقبائل الصغيرة في محاولة دفع لأقوياء أو معتدين.

فهذه التقنيات قديمة بقدم الإنسان نفسه، وبقدم الحروب نفسها فلقد استعملت من قبل رجال (كرومانيون) – وهو رجل عاش قبل 40 ألف سنة – ضد رجال أواخر العصر النياندارتالي. كما استعمله (البروتون) ضد رجال يوليوس قيصر. ثم الإسبان في مواجهة نابليون بونابرت حينما حاول استعمار بلاد الإسبان (1812م). ثم محاربة شعب (سان يوان لي) للبريطانيين بين عامي (1841م-1842م)، ثم بعد ذلك بين عامي (1850م- 1864م). ثم مقاومة الروس للإمبرياليين الأجانب بين عامي (1918م-1920م). ثم مواجهة الأحباش للقوى الإيطالية بين عامي (1935م-1936م).

ثم ظهر التطور الأمثل وتنظيم القواعد والتأصيل لهذه الحروب على يد الشيوعيين، وبالأخص في الثلاث تجارب الأشهر في تاريخ حرب العصابات وهي التجربة الكوبية ما بين عامي (1953م-1959م) ورائداها “فيديل كاسترو والمناضل تشي جيفارا”. والتجربة الصينية ما بين عامي (1922م-1949م) ورائدها الأشهر “ماو تسي تونغ”.

ثم التجربة الفيتنامية ما بين عامي (1956م-1975م). ثم انتقلت رياحها في العالم الإسلامي في حروب ضد الاستعمار وأمثلتها أكثر من أن تحصر بداية من التجربة الجزائرية في مواجهة الفرنسيين، ومصر في مواجهة الاستعمار الإنجليزي والإسرائيلي، مرورًا بالتجربة الأفغانية في مواجهة السوفييت، ثم تجربة البوسنة والهرسك في مواجهة حرب الإبادة، ثم مرورًا بتجربة التحرر الفلسطينية التي ما زالت قائمة.

ناهيك عن المرور بالتجارب للحركة الجهادية في المغرب وتركيا ومصر وسوريا وليبيا ومعظم العالم الإسلامي في مواجهة ديكتاتويات وأنظمة سلطوية قمعية.

أنواع وأشكال حروب العصابات:

لخض الشيخ المجاهد الأسير”أبو مصعب السوري” أنواع حروب المستضعفين وهو تلخيص موفق باستقراء تجارب (الجاريلا) منذ تطورها وظهورها بشكل أوضح في العصر الحديث بأربعة أنواع وهي:

1- حروب ضد المستعمر الخارجي: وهي أنجحهم وأكثرهم شهرة وأكثرهم إتيانًا للثمرة حيث يحدث فيها شبه إجماع شعبي؛ وذلك لقابلية الناس ومرتكز فطرتهم على رد أي عدوان خارجي والأمثلة عليها أكثر من أن تحصر وبالذات في الدول النامية ودول العالم الثالث ومواجهتهم المستعمر الأجنبي.

2- حروب ضد الإبادة أو التفرقة العنصرية: وهي أحد أعنف وأشرس أنواعها وأمثلتها تتجلى في القارة الأفريقية بشكل واضح وأكثر ممارسة على الغالبية المسلمة هناك، ومثال عليها تجربة البوسنة والهرسك.

3- حروب ضد ديكتاتوريات: وهي أصعبهم جهدًا وإعدادًا وتخطيطًا؛ ذلك لكونها تعتمد على خلق وتكوين قاعدة شعبية جماهيرية، وسحب البساط الشعبي من تحت أقدام الديكتاتور، ووقوف الشعب بجوار رجال العصابات وتأييدهم في كفاحهم ومقاومتهم المسلحة ضد الديكتاتور.

4- حروب ضد ديكتاتوريات مدعومة من قبل أنظمة وحكومات خارجية: وهي غالبًا وليدة انتصار حروب العصابات في شكلها الأول فيلجأ المستعمر لمبدأ (تفضيل الرمد على العمى).

أجواء ومناخ حروب العصابات:

تستطيع أن تلخص أفضل الأجواء المثالية، التي تعتمد عليها حروب المستضعفين من حيث البدء ثم النمو والانتشار، وقد لخصها المناضل الشيوعي الشهير “تشي جيفارا” أحد أبرز منظري حروب العصابات بقوله: (لابد للناس أن يلاحظوا بوضوح عبثية متابعة الصراع من أجل الحصول على أهداف اجتماعية في إطار حوارات شرعية، وعندما تتمسك قوى بالسلطة ضد القانون القائم، يمكن اعتبار السلام محطمًا)، وتستطيع تلخيص الأجواء كالتالي:

1- التأزم السياسي واستحالة الحلحلة السياسية.

2- حالة الانفجار الاقتصادي وانسداد الأفق في تحسين الأوضاع.

3- زيادة القمع والقهر السلطوي، واستباحة للقانون الذي يحتكم له الشعب.

4- انسداد كل السبل والوسائل السلمية، التي تخلق منفذًا لإقرار السلام الداخلي.

5- حالة الفساد والإفساد السلطوي في كافة المجالات وانتشاره وتشعبه.

المبادئ الإستراتيجية الأشهر لحروب العصابات:

ما يميز حروب العصابات بشكل كبير عن أي صور أو مظاهر أخرى من مظاهر الثورة هو اعتمادها على التخطيط والتفكير الإستراتيجي وإدارة ذلك بحنكة ودهاء سياسي يظهر لكل مشاهد ومتابع لتلك التجارب. وهذه أهم الإستراتيجيات التي تعتمد عليها حروب العصابات بمختلف أنواعها:

1- العمل من خلال تنظيم سياسي قائد.

2- تجنب الحسم العسكري والمواجهات المفتوحة مع العدو.

3- الحرص على الحسم السياسي.

4- الحرص على التوسع والتأييد الشعبي، أو ما يعرف بالحاضنة الشعبية.

5- المرحلية بعيدًا عن تعجل الخطوات (مرحلة الفوضى – مرحلة التوازن – مرحلة الحسم السياسي).

6- الحرص على إدارة الحرب بسياسة خارجية قوية والحرص على التأييد الدولي الذي يتناسب مع منهجك وقضيتك وخلق حلفاء ومؤيدين دوليين في هامش مناورة بعيدًا عن خيوط اللعبة العالمية.

تلك أبرز الخطوط والمحاور الرئيسية دون تفصيل نبدأ بها مقالنا الأول في دليلك لحرب العصابات من حيث الأنواع والإستراتيجيات والتطور التاريخي. وفي باقي المقالات نتعرض بإيجاز شديد إن شاء الله لأهدافها ووسائلها وتكتيكاتها وغيرها.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد