(كلانا يقاوم، لكلٍ منا معركته الخاصة).

دائمًا أرددها في نفسي، أكتبها على الحائط بجوار سريري وفي دفتري الخاص وعلى الهاتف، في كل وسائل التواصل الخاصة بي، أحاول تذكير نفسي أن لا أحد يعيش حياتك مرةً أخرى، لا أحد يمر بنفس ظروفك ولا يحقق إنجازاتك ولا يمر بآلامك، أنت نسخةٌ واحدة في هذا العالم، وحياتك لم ولن يحياها أحدٌ مثلك، وكذلك أنت لن تحيا حياة شخص غيرك.

في لحظات انهزامك ستجد كثيرين حولك يحدثونك عن الصبر والقوة والقدر، مثلًا أن الموتَ حق وكلنا سيموت، أنه سنة الحياة، أنك لابد وحتمًا أن تنسى سريعًا، وأن هذا هو الإيمان.

لكن ربما لن يخبرك أحد أن لقلبك عليك حقا، أن لك حق في الحزن كما الفرح، أن الحزن ليس حرامًا، أن كونك بشر ضعيف يتعلق بمن حوله ليس جريمة، وأن الأنبياء حزنوا حين فقدوا عزيزًا.

الكلمات التالية شخصية إلى حدٍ كبير، لكنها تشترك بالقدر نفسه في تفاصيلها مع حكايات أشخاص كثيرين، كلنا يمر في حياته بلحظات فرح ونجاح وبهجة وشغف وحزن وتيه وفقد، مر عام على بداية معركتي الأكبر ربما في حياتي الصغيرة، مر عام على أكبر فقد وأول هزيمة، يقول البعض أن الحزن يولد كبيرًا، ثم يتضاءل حتى يفنى ويُنسى، ويقول آخرون إننا ربما لا نشعر به في البداية – خاصة في الفقد – لكنه يكبر كل يوم ويتسابق مع الحنين والوحشة أيهم يصرعنا أولًا.

حسنًا لن أحكي عن معركتي بالتفصيل ولن أذكر عدد المرات التي سقطت ونهضت وتعثرت فيها خلال هذا العام، ولا عن اكتئابي لفترة، ولا عن قراراتي في محاولة الخروج من هذه المعركة أو الاستسلام لها، أحكي فقط عن علاقتي بالموت التي تغيرت هذا العام.

طوال حياتي أعلم أنه من تمام الإيمان أن يؤمن الإنسان بالقدر خيره وشره، وأن الموت قدر، لكن في لحظة اكتشفت أني أردد كلام نظري وأنه لا إثبات بصدق شيء إلا بالاختبار، كان اختباري يوم فقدت أقرب شخص لروحي، في البداية كرهتُ الموت لدرجة أني لو رأيته شخصًا لقتلته، تمنيتُ أن أشهد يوم القيامة حتى يأتي الله بالموت بعد البعث في هيئة كبشٍ فيُذبح، ومنذ فترة بدأت أردد كلمات تميم البرغوثي (الموت دا شيء مش طبيعي.. الموت دا أصله خلل).

والآن أردد دومًا الجزء الآخر من كلماته (الأصل فينا الخلود راح ييجي يوم نلقاه)، وهذا آخر ما وصلت فيه علاقتي بالموت، أن لنا موعدا آخر، وأنه يلزمنا الصبر وإن كان مُرًا.

ما نمر به يصنعنا يا صديقي بصورة عجيبة، تجعلنا الصعاب بشكلٍ ما أكثر احترامًا لمشاعر الآخرين ومعاركهم، كنت عادة عندما يحكي لي أحد أصدقائي مشكلة شخصية أخبرهم فورًا أنا أشعر بك، ثم رأيت فيها بعض الكذب، فأنا لا أشعر بهم، حقًا أتأثر بما يقولونه، لكن لا أشعر حتمًا بمدى الألم الذي لم يستطيعوا التعبير عنه، وفهمت مؤخرًا أنه ما لا يُقال دائمًا أكبر، فاستبدلتها بـ(أنا أفهمك) وهي أكثر صدقًا، أفهم أن أحدهم يعاني ألمًا كبيرًا، وأخرى تعيش حيرة شديدة في أمرٍ ما، وأنه طالما هذا الشيء الصغير مهم بالنسبة لأحدهم فهو مهم، وأن هذا الحادث البسيط مؤلم بالنسبة لآخر فهو مؤلم، وأنهم لم يخترعوا وحدة لقياس المشاعر، وليس هناك محكمة ينظر فيها القاضي أيهم ألمه أكبر لكي يستحق أن يحزن لأجله، وهذا من فضل الله ورحمته.

أؤمن بما قالته العظيمة رضوى عاشور في كتاب عن سيرتها الذاتية أنه دائمًا (هناك احتمال آخر لتتويج مسعانا بغير الهزيمة، ما دمنا قررنا أننا لن نموت قبل أن نحاول أن نحيا)، لسنا مطالبين سوى بالقرار والمحاولة.

بعد يومين سينتهي تحدي بدأته منذ ثلاثين يومًا على أن أذكر نفسي كل يوم بجملةٍ أو معنى له قيمة عندي يساعدني أن أكون في حالٍ أفضل، وتنتهي معه آخر محاولاتي للمقاومة هذا العام. واللطيف أنها المحاولة الوحيدة التي نجحت في إتمامها. ربما لأنه كما سمعنا صغارًا، تهدينا الحياة – أحيانًا – أضواءً في آخر النفق.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد