«إن العقل يحتله الأسبق إليه وهذا الأسبق في الغالب يكون من الثقافة التلقائية التي يمتصها الإنسان خلال سنوات عمره».

نظريًا تشكل الثقافة محورًا أساسيًا في تحديد مسار المجتمعات، وواقعيًا تقاوم الثقافة المترسخة في العقول في كثير من المجتمعات أي فكر طارئ دخيل عليها.

والسؤال لماذا يختلف النظري عن الواقع العملي؟

إن طبيعة الثقافة التي يمتصها الإنسان في مجتمعه لا تخضع في المجمل إلى الفحص والتمحيص، بل إن السائد في ثقافة المجتمعات التوهم بالامتياز المطلق على الثقافات الأخرى وهنا تكمن الإشكالية حينما يظن المجتمع خطأ بأن ثقافته هي وحدها الصحيحة ونموذج الكمال الذي يحتذى به.

يولد الناس بقابليات وليس بهويات محددة فيتشرب كل فرد الثقافة التي ينشأ عليها ويذوب فيها فتتكون بها شخصيته مما يجعل الثقافة سجنًا للعقل لا محركًا له.

أكثر ما يعيق النمو الفكري للإنسان هو الانغلاق الثقافي وذلك نتيجة الثقافة المركبة التي أتت عبر الأجيال بغير تمحيص ولا فحص، فأنتجت طريقة تفكير معينة ومنظومة اهتمامات معينة وأسلوب حياة معينًا.

تدور الثقافة تلقائيًّا وبشكل دائري حول المجتمع، فماضي أمس هو حاضر اليوم، وحاضر اليوم هو مستقبل الغد بلا جديد، وهذا المسار الدائري الذي كونته الثقافة لا يمكن أن ينتج مجتمعًا حقيقيًا ما دام الأفراد مطموسو الفردية لا يمارسون الحاضر الإنساني الذي ترتبت عليه تغيرات نوعية في القيم والقوانين البشرية.

إن حركة المجتمعات والثقافات محكومة بقانون القصور الذاتي الفيزيائي لنيوتن والذي يضمن استمرار الدوران في نفس المكان ومع نفس المسارات إذا بقيت محرومة من التحريك والدفع الإضافي من خارجها، ويشهد التاريخ والواقع أيضًا على أن المجتمعات لا يمكن أن تعلو فوق ذاتها وتبقى في حركة دائرية ثابتة حتى تأتيها قوة دافعة معرفية من الخارج تؤثر فيها وتنتزعها مما هي عليه.

إن المتعمق في تشكل الثقافات يلحظ أن الثقافة الإنسانية تأثرت بثلاث موجات عبر التاريخ البشري؛ ففي كتاب حضارة الموجة الثالثة للمؤلف الأمريكي ألن توفلر، والذي يشرح فيه كيف كان للزراعة التأثير الكبير في تشكيل ثقافة الإنسان القديم والتي امتدت نحو 10 آلاف عام، ثم أتت الموجة الثانية وهي الموجة الصناعية والتي ما زالت مستمرة بمفاهيم وقيم وتصورات بشرية مختلفة عن سابقتها، أما الموجة الثالثة وهي موجة التكنولوجيا فهي آخذة بتأسيس مفاهيم وتصورات ثقافية بين البشر.

إن طبيعة السلوك في الثقافة السائدة هو ليس نتاج التعاليم وإنما أغلبه يكون نتيجة الممارسة والمعايشة التلقائية، والإنسان كائن تلقائي لا يؤثر فيه إلا ما كانت الاستجابة له تلقائية ولا يؤثر فيه إلا ما داوم على فعله، والباحث في أسباب التطور الثقافي يجد أمرًا في غاية الأهمية وهو أن التطور الثقافي لم يكن نتيجة تراكم كمي وإنما كان نتيجة طفرات نوعية في السلوك الإنساني، وهذه الطفرات النوعية في السلوك تكون إما من خلال قوة تأثير ثقافة أخرى أو من خلال إعادة طريقة النظر في مكونات الثقافة في المجتمع نفسه.

إن مفهوم الثقافة التعددية كفيل بأن يجعل الناس يهتمون بالأفكار ذاتها، وشرط ذلك الاهتمام هو قابلية الانفتاح على التعددية الثقافية والاستفادة من مخرجاتها.

«النهوض في أي ثقافة بقيمها ومفاهيمها لا يكون إلا بالكيفية التي يتم تفعليها واستخدامها في الحياة اليومية، وبالطريقة التي يكون فيها الناس حاكمين لها لا محكومين بها».

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

عقلك
عرض التعليقات
تحميل المزيد