هذا المقال يتناول موضوعًا شديد الحساسية بكثير من الاستخفاف والتساهل، فإن كنت من محبي الجد فهذا المقال ليس لك.

هل يجب على الفن أن يكون أخلاقيًا؟ هل يجب على الفن أن يكون جميلًا؟ ثم هل كل شيء أخلاقي جميل والعكس؟

وما هو الشيء الأخلاقي؟ وما هو الشيء الجميل؟

كل هذه أسئلة لا طاقة لي بها، ولا أعتقد أنها تفيد شخصًا ما بشيء، غير معرفة أن لا شيء أخلاقي إلا في موضعه، ولا شيء جميل إلا في بروازه، وهذا يبث فينا الكثير من الهم لا مجال له في هذا المقال.

والحق يقال هذا المقال لا يهم أحدًا، ولا حتى كاتبنا، بل من أجل الفكاهة وتعليم الجيل الجديد أصول الضحك وسلطنة الجدود، وزعزعة أصحاب التكشيرة عن مدى ثبات وقوة موقفهم تجاه الهجوم على الأغاني الهابطة، والحكم على بعض الأعمال الفنية أنها لا تليق بالذوق العام.

هذا المقال يأخذك من يدك لتدخل غرفة جدك المغلقة، وترى ما كان يحدث، وتحزن كثيرًا لما وصل إليه الفن الهابط من مستوى، للهبوط أصول يا أساتذة إن أردت أخذ طريق المجون والفن الليلي الذي يسمع في السهرات، على الأقل اجعله يضحك الجالسين!

من يهاجم الأغاني الشعبية الحالية في شوارع المحروسة، عليه أن يعلم أولًا تاريخ هذه الأغاني؟ وكيف تطورت؟ وأن يقف باحترام وتبجيل أمام تراث بلده، ثم يجلس مرة أخرى ليمسك بكأس خمر بيده ويضحك!

تاريخ الأغاني الإباحية أو (الأغاني المغلق) كما يقول عليها أصحاب المعرفة من أهل الثقافة بدأت في مناطق مختلفة ومتباينة، مثل الصعيد، والدلتا، وسينا، وكان هدفها مبررًا في قرى الصعيد، وأرياف مصر بشكل عام، كان الحديث عن الجنس، أو التعامل مع الجنس الآخر محرمًا تمامًا، فكانت هذه الأغاني بمثابة دروس تعليمية قبل الزواج، وتغنى ليلة الزفاف لتعليم الزوج والزوجة ما عليهم فعله، أو كيفية تعاملهم مع هذا الموقف الخطير!

هذه بعض مقتطفات من الأغاني

«الأرنب والغزال»

«والعين تشيل وقية م الكحل آبو دلال هات لي خمرة نضيفة وأقلعلك بالقميص تحت الصرة بشوية أرنب صايد غزال»

اشتهر الأرنب البري كرمز على الشهوة الجنسية والشبق واستخدامه هنا دلالة على انتصار شهوة الجسد على الطهارة.

«يا منجد علٌي المرتبة واعمل حساب الشقلبة»

«يا منجد علٌي المرتبة

عروستنا حلوة مؤدبة

يا منجد علٌي المرتبة

عروستنا ناعمة غريبة

يا منجد علٌي المرتبة

اعمل حساب الشقلبة»

«معرفش ادق التوم الا بقميص النوم

” معرفش ادق الكزبرة

هاي هاي

إلا بقميص المسخرة

هاي هاي

معرفش ادق التوم

هاي هاي

إلا بقميص النوم»

استخدمت هذه الأغنية لتعليم الفتيات كيفية طلب بيت خاص بهم، والانفصال عن بيت العائلة من الزوج.

أغاني الهنك والرنك

تطورت الأغاني إلى أن وصلنا إلى أوائل القرن العشرين بعد الحرب العالمية الأولى وبداية سهرات الأنس، انتشرت في تلك الفترة نوعية من الأغاني اسمها «الهنك والرنك» واحتوت على ميوعة وإيحاءات جنسية، وكانت تُغنى في حفلات القصور الملكية في ذلك الوقت.

كان لهذا النوع من الفن رواده ومعجبوه، وفي أغلب الأحيان كانت تؤدي الأغنية (الطقطوقة) مغنية تستخدم بحة مغرية في صوتها ودلال مثير وبجانبها راقصة، ويوجد الكثير من هذه الطقطوقات من أغاني زمن الفن الجميل.

«الخلاعة والدلاعة مذهبي»

وأول أغنية لدينا اسمها «الخلاعة والدلاعة مذهبي» من غناء الفنانة أم كلثوم!

نعم هي أم كلثوم كوكب الشرق قبل ارتداء البدلة العسكرية!

غنت أم كلثوم هذه الأغنية في بداية مشوارها، وكانت تغنى في القصور والحفلات، ثم غيرت اسمها لتصبح «اللطافة والخفة مذهبي».

«بعد العشا يحلى الهزار»

غنّتها منيرة المهدية من كلمات يونس القاضي، وألحان محمد القصبجي، وتضمنت كلمات شديدة الجرأة وتحمل إيحاءات جنسية.

أحد مقاطع الأغنية: «مستنظراك ليلة التلات بعد العشا.. تلقى الحكاية موضبة.. بإيدي قايدة الكهربا.. واقعد معاك على هواك ولا فيش هناك غيرنا وبلاش كتر الخشا».

«تعالى يا شاطر نروح القناطر»

أما نعيمة المصرية فقد غنت «تعالى يا شاطر نروح القناطر» من كلمات يونس القاضي، وألحان الشيخ زكريا أحمد والتي تقول فيها: «هات القزازة واقعد لاعبنى.. دي المزة طازة والحال عاجبني».

«لابس جبة وقفطان وعملي بتاع نسوان»

هي في الأصل لرائدة هذا المجال بهية المحلاوية وكانت تغنيها إلى جانب رقص شفيقة القبطية، ثم بعد ذلك غناها الشيخ سيد مكاوي وتحتوى على وصف دقيق لليالي المجون.

وبالرغم من أن سيد مكاوي قام بغنائها، إلا أن أحمد عدوية سُجن عندما أداها بعد ذلك سنة 1985 في كازينو ليلي بشارع الهرم، ثم خرج من السجن بكفالة مالية.

«الله الله يا بدوي | بهية المحلاوية»

تغني الست بهية المحلاوية أغنيتين شعبيتين، إحداهما أشبه بالموال القصصي وهي «أول حكاية يا جمعية كانوا تلاتة أفندية»، ثم تلحقها بأغنية أخرى أشهر وإيقاعها أسرع، لكن بكلمات مختلفة عما نعرفها، وربما كانت الغنوة الشهيرة المعنية، وهي «الله الله يا بدوي جاب اليُسرى»، لكن الطريف أن الأسطى بهية تغنيها بكلمات مكشوفة، أو بتعبير آخر: خليعة، مثل:

«الله الله يا بدوي جاب اليُسرى

عم عبده *** قده لو كان مده

فلق الشجرة

الله الله يا بدوي جاب اليُسرى

يكسف عرضك نتفوا خالتك

ما خلوش ولا شعرة»

لم تقتصر أغاني «الهنك والرنك» على العوالم فقط، بل جذبت كبار المغنيين والملحنين مثل: الشيخ زكريا أحمد، وسيد درويش، ومحمد القصبجي، ومحمد عبد الوهاب، وغناها أشهر المطربين والمطربات، مثل أم كلثوم، ومنيرة المهدية، ونعيمة المصرية، وبديعة مصابني، ومحمد عبد الوهاب، وأغلبها كانت من تأليف محمد يونس القاضي.

الصهبجية

إلى جانب أغاني «الهنك والرنك» انتشرت أغان أخرى اسمها (الصهبجية).

أغاني الصهبجية خاصة أكثر بالرجال، ويقال إنها كانت تغنى في المقاهي إلى جانب الحشيش، والخمر الرخيص؛ لتصبح السهرة أكثر لطافة.

من أشهر مغني الصهبجية الشيخ سيد درويش، ولديه أغان كثيرة، من هذه الأغاني أغنية «.. أمك»، نعم هذا هو اسم الأغنية، ولست أسبك عزيزي القارئ، وتنوعت الأغاني ما بين صف كلمات على أوزان الموشحات القديمة، دون معنى أو هدف مثل «يا طالع الشجرة هاتلي معاك بقرة»، أو أغاني في مدح الخمر، والحشيش، وأخرى في شتم الحكومة والبشوات.

«الحشاشون (التحفجية)»

من أحد مقاطعها «حشاش قِراري يسفخ يوماتي خمسين جرّاية، ستين، سبعين ها يا مرحب صدّق وآمن بالذي خلقها، وقال كوني جوزة لكل من يدوقها ما يسلى أنفاسها بملايين بس الأكادة حبس وظلومة يكفينا شرّك يا دي الحكومة».

وغناها مؤخرًا الفنان محمد محسن.

الصهبجية

غنى جزء منها محمود عبد العزيز في فيلم «الكيت كات»، كتبها صلاح جاهين وغناها سيد مكاوي.

«يا ملتقى الصحبة.. يا لاللي

يا ورد في الصحبة.. يا لا للي

منورين في القعدة تملّي

يا صهبجية.. إيه يا لا للي

عاوزين شوية.. إيه يا لا للي

حاجة م اللي هيّه.. إيه يا لا للي

حبة آهات على ليل على عين على ترلا للي».

نحن الآن أمام تنوع في استخدام الهبوط ما بين التعليم، واستخدامه لوصف الجنس والخمر، ثم بعد ذلك في وصف الحشيش وقعدات التسامر، وبقليل من البحث يمكنك أن تعرف كيف أن جماعات الصهبجية أثرت في الغناء الشعبي في جلسات الحشيش!

وهذا يضعنا في سؤال: هل يجب على الفن أن يكون أخلاقيًا؟ وبذكر الفن والأخلاق فإنك بالطبع تتذكر الفنان محمد صبحي، وتتذكر أنك مللته مؤخرًا، وحتى لا تتذكر فنه الحقيقي؛ لأنه تخلى عنه، وفضل أن يقدم إجابات جاهزة من نوعية «النظافة من الإيمان» أو «الكذب مالوش رجلين»، «دخلت امرأة النار في هرة»… إلخ من النصائح المعلبة!

محمد صبحي توقف عن التساؤل، وأخذ في إعطاء النصائح، لذلك كرهنا فنه، وإن كنت تتساءل عن مدى قبولي للأغنية الشعبية الحالية.

أنا أيضًا لا أفضل الموسيقى الشعبية الجديدة على شكل الموال الذي يأخذ في البكاء على غدر الزمان، وغدر الصحاب، وتقلب الحال، وهجر الحبيبة.

أنا لا أسمع لأهون على المغني، بل أسمع من أجل الشعور بشيء جديد، وإن قارنا بين ما أشعر به وأنا أسمع أغاني الفترة الحالية العاطفية تحديدًا فانها تثير غضبي كما تثير الأغنية الشعبية الحالية اشمئزازي لما فيها من كل أنواع الشكوى من الغدر، والهجر، والخسارة!

حقيقة الأمر أنا أفضل الإسفاف القديم على النصائح المعلبة، أو الموال الحزين.

على الأقل يمكنني الضحك!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد