الحياة وجهة نظر وفتوة كل ذات، فما يراه الفلاسفة ليس حقيقة مطلقة، يتوجب الإيمان بها بشكل حتمي، وهذا لا يعني تكذيبها أو إنكارها، أنت فيلسوف لذاتك، فما تراه حتمًا ستجد من يقتنع به، وستجد من لا يعترف بما تراه جزئيًّا وشخصك كليًّا، لا مناص عن ذلك، فالنقص والقناعة يلعبان دورهما لعبًا احترافيًا، فأهل القناعة سيضعون ما تراه محط دراسة، سيكون حديث جدالهم، أما أهل النقص فمهما تنازلت عن أفكارك ومبادئك لتقدم رؤية تنال بها إعجابهم، فلن تبلغ مقصدك؛ فالنقص حرف النون الأخير من كلمة إنسان، إن وجد النون عندهم ربما لا يقتنعون، وإن لم يوجد فـ«إنسا إنهم يقتنعوا».

ولأن الاختلاف نعمة لا يبصرها ذوو العقول الراضخة لسلطة التسليم بما يقال، فهو أكثر الدلائل إثباتًا على أن الإنسان فيلسوف ذاته، فلكل منا له مع الحياة قصة ورواية، لكل منا له معها شكاية، قلما نشتبه في أمور هي خارج السنن الكونية والبديهيات، فمن المستحيل أن تقنعني بأن من وجهة نظرك أن تموت بكيفية تختارها لنفسك، وزمن يرضيك، إن كنا نتشابه في حتمية الموت، فلا يعني أننا نتشابه في أسباب الموت وميعاده.

ربما يخيل لك أنه من المحتمل أن يحدث تشابه في سبب الموت ووقت الموت، فتضرب مثالًا حادث انقلاب سيارة بها شخصان، أنا لا أتفق معك في احتمالية الموت في وقت واحد، كذلك الكيفية أختلف معك فيها، فربما يموت السائق قبل الركاب بمقتضى أنه في مقدمة السيارة، إن كان الحادث تقابل سيارتين، ويموت الركاب بعد نزيف طويل، والموت لا يكمن في حادث أو في مرض، ولا يعني الموت أن ترتحل من دنيا الأرض إلى دنيا ما تحت الأرض، فيحدث أن تموت أحيانًا وأنت ما زلت على قيد الحياة، تموت أجزاؤك، تقطعك الحياة إربًا إربًا، فيقول جبران خليل «ما زلت أؤمن أن الإنسان لا يموت دفعة واحدة، وإنما يموت بطريقة الأجزاء، كلما رحل صديق مات جزء، وكلما غادرنا حبيب مات جزء، وكلما قتل حلم من أحلامنا مات جزء، فيأتي الموت الأكبر ليجد كل الأجزاء ميتة، فيحملها ويرحل».

ربما لا تقتنع بما تقرأ، ولكن يا صديقي هذه فلسفتي وهذه وجهة نظري في الحياة، واتفاقي مع مقولة جبران لا يعني التسليم بكل ما يقال، فالاختلاف موجود بنسبة، لذلك فأنت دار إفتائك، فالإنسان يحلل على نفسه أشياء محرمة عند غيره، ويحرم على نفسه أشياء محللة عند غيره، لا تستغرب قولي فالأمر لا يتعلق بالأمور الدينية التي لا مناص ولا جدال فيها، ولكن ماذا لو كنت تكره أنت «الشاي باللبن» وكنت أنا أحبه، ألم يصبح ذلك محرمًا عليك ومحللًا لي؟ وقد يحدث العكس.

هكذا الأمور تسير، إن الذي خلق الاختلاف لم يخلقه عبثًا، كما لم يخلقنا عبثًا حيث قال جل شأنه «أفحسبتم أنما خلقناكم عبثًا»، فكما خلقنا لشيء وهو عبادة الله وإعمار الأرض، فالاختلاف الذي يتمثل في دار إفتائك خلق ليعمر الأرض معنا، خلق لنتكامل، والكمال لله وحده تفرد به، حتى وإن بلغنا من درجات الصلاح والزهد، وإن بلغنا الحد الذي لا نخطئ فيه ولا نرتكب ذنبًا، فلا يعني ذلك الكمال، وإن كان المضمون كذلك، لكن التفاصيل والأسباب التي سبقت نتيجة الكمال غير ذلك.

يقول عمر بن الخطاب -رضي الله عنه-: «من لم ينفعه ظنه لم تنفعه عينه»، أن تظن شيئًا في شيء وتبوح بما ظننت، فذلك يعني أنك أردفت شيئًا جديدًا لحياتك نبع من دار إفتائك، وأن تظن فذلك يعني استيحاء الغيب واستنباط الأسرار بالنظر الثاقب، وهو لا يتعلق بالادعاء بعلم الغيب، ولكنه توقع مبني على دلائل، قد يصيب وقد يخطئ، فمثل أن ترى أحدهم في موقف ما وقد أحسن التصرف فيه، تكون في ذهنك صورة حسنه عنه «ذاك الدليل».

ومن الموقف ظننت أنه هكذا دومًا فقلت إن فلانًا هذا جيد، وما إن عاشرته وجدت عكس الذي قلت، لا مانع في ذلك، وقد تجد العكس ويصيب ظنك، هكذا هي الحياة وجهات نظر نتبادلها، الناس يرون الحياة بما ينبع من داخلهم، فالمثقف يرى الحياة بشكل لا يراه الأمي، كذلك الدكتور يرى الحياة من منظور لا يستطيع المهندس رؤيته منه، كذلك أنا أرى الحياة من منظور أنت كقارئ لا تراه، لأن هذا هو الطبيعي، لنخرج بأفكار مختلفة، قلما نجد فيها التشابه.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد