هل من الممكن أن يؤمن الإنسان بالفكرة وعكسها في الوقت ذاته؟

إذا وضعت الشخص نفسه في النقاش نفسه عدة مرات مع أفراد بآراء متضادة فستلاحظ أن الشخص يستطيع أن يواجه كل شخص بفكرة متناقضة مع الفكرة التي قد يواجه بها شخصًا آخر في موضوع النقاش نفسه، الأمر معقد أنا أعلم ذلك, لذا فلنبدأ بشرح ما ذكرناه.

فلنضع مجموعة من الرموز أولًا تسهل لنا مهمة الشرح:

(س) هي فكرتك الشخصية الأساسية في أول نقاش.

(ص) هي الفكرة المضادة التي يواجهك بها صاحب أول نقاش.

فلنفترض الآن أننا بدأنا النقاش فتبدأ أنت بطرح أفكارك (س) وتوضح مبرراتك لهذه الفكرة ولماذا أنت مؤمن بها، وبعد ذلك يبدأ الطرف الآخر بطرح أفكاره (ص) ومن ثم يبدأ بمحاولة زعزعة فكرتك (س) بطرح مجموعة من التساؤلات حولها أو غيرها من الأساليب الهجومية في النقاشات، وبعد ذلك من الممكن أن تستخدم أنت أسلوبك الدفاعي الخاص في الرد على الأسئلة التي ذكرها، وينتهي بذلك النقاش بينكم بدون أن يقنع أحدكم الآخر بفكرته الشخصية.

بعد ذلك يطرح شخص آخر عليك  الفكرة نفسها فتبدؤون بالنقاش فيبدأ هو بطرح أفكاره والتي تكون مماثلة لفكرتك في المرة الأولى (س) من المفترض أن ترد عليه بموافقتك لما يقول، ولكن هنا تحدث المفاجأة وما هو غير متوقع، وهو أن ترد عليه بأفكار (ص)، وتجد أنه في موقفين حول الفكرة نفسها كنت ترد بفكرتين متضادتين.

فكر مع ذاتك لوهلة وستجد أن هذا حتمًا قد حدث معك في أي نقاش.

في تجربة قد أجريتها خلال أشهر قبل كتابة هذا المقال على 15 شخصًا.

أقوم أولًا بمعرفة رأي الشخص في موضوعٍ ما، من ثم أقوم بطرح فكرة مضادة لفكرته عليه، وبعد مدة يقوم شخص – قد اتفقت معه – بنقاشه في الموضوع ذاته فيجد أنه يقوم بطرح أفكاري أنا التي كان معترضًا عليها من قبل، وقد حدث هذا مع الـ15 شخصًا الذين تمت عليهم التجربة.

ما يعني أن وجود هذا بين الجميع هو ظاهرة تستحق الحديث.

تفسيرات شخصية لتلك الظاهرة

بعد إجراء محادثات مع الأشخاص الذين تمت عليهم التجربة لمعرفة دوافعهم الشخصية لحدوث ذلك، قد حصلت على مجموعة من الإجابات المختلفة ولكنها مقنعة لأن كل إجابة نابعة من شخصية صاحبها، دعونا نبدأ بطرح التفسيرات سريعًا.

1- أردت فقط معرفة الحقيقة

أثناء النقاش الأول قام الطرف الآخر بطرح أسئلة ليواجه بها فكرتك الشخصية، والإنسان بطبيعته لا يستطيع الصمت ويجيب فورًا عن الأسئلة حتى وإن لم تكن الإجابات مقنعة، ففي النقاش التالي يبدأ بطرح تلك الأسئلة حتى يحصل على إجابات واضحة ومقنعة فيبدأ بتحديد الحقيقة وما يؤمن به.

2- تدعيم فكرته الأساسية

إنه يسلك مسلك السبب الأول نفسه مع اختلاف الهدف، فهنا يسعى للوصول لإجابات لتدعيم فكرته وليس الوصول للحقيقة فإذا خاض مائة نقاش آخر فسيحاول اقتباس من كل نقاش ما يدعم فكرته وتصميمه على فكرته الأساسية، هي ظاهرة نفسية تسمى «BackFire Effect» سنتحدث عنها لاحقًا في مقالات أخرى.

3- الاستدماج

وهي أحد آليات الدفاع النفسية، فبدلًا من أن توجه هذه الفكرة خطرًا لك، فتبدأ بدمجها إلى قائمة أفكارك وتتبناها كاملة، بحيث تصبح جزءًا من ذاتك بدلًا من مواجهتها وجعلها خطرًا نفسيًّا (وسنوضح تلك المخاطر لاحقًا خلال المقال).

4- هل حدث نقاش أول؟

إحدى وسائل الدفاع النفسية هو إقناع نفسك بأنك لست في مشكلة، فالمشكلة تكمن في أنك استقبلت أسئلة لا تستطيع الحصول على إجابة لها، إذًا المشكلة في كوني «مستقبلًا للسؤال» فأتحول إلى «طارح للسؤال»، وبالتالي إذًا أنا لست في مشكلة، بل الذي في مشكلة هو الذي طرحت عليه الأسئلة، والنفس البشرية من السهل إقناعها بأي وسيلة دفاعية بسيطة.

5- نفسية هشَّة

وهنا قد يحدث الأمر بدون دوافع نفسية بل يكون بسبب أن الشخص المتلقي للأفكار يمتلك نفسية هشَّة ويسهل إقناعه بأي أفكار حتى وإن كانت الفكرة وعكسها بسبب عدم امتلاك وعي كافٍ عن الفكرة فبالتالي من السهل تغيير قناعاته.

وبالطبع هناك أسباب أخرى وهذه الأسباب هي نتيجة لما سمعته من الذين تمت عليهم التجربة وبالطبع إذا زاد العدد زادت الأسباب وزادت الدوافع، ولكن المشترك بين هذه الأشياء هو أن النفس البشرية تستخدم وسيلة ما للوصول للهدف وهو إرضاء النفس، فالسؤال المهم الذي يجب طرحه هنا هو:

لماذا تستخدم النفس البشرية وسائل دفاعية للوصول لتلك الحالة من الرضا؟

آليات الدفاع النفسي هي حيل تقوم بها النفس لتجنُّب الألم النفسي أو الصراع النفسي الذي يمكن أن ينشأ عن مواجهة بعض الأفكار أو الإدراكات كما وضحنا بمثالنا السابق، فمجرد كثرة التفكير في أمرٍ ما قد تكون قاتلة.

«أنت تفكِّر كثيرًا، هذا لن يحدث صدعًا في رأسك فحَسب، بل سيدفَعك ذات يومٍ لتلقِي بنفسك من النافذة». فيودور دوستويفسكي

لذا فبدلًا من التفكير الكثير فتقوم النفس بحيل لا شعورية لا ينتبه الفرد إليها عادة، تبعده عن هذه المواجهة والمعاناة النفسية التي يمكن أن تنشأ عنها، وهي حيل مفيدة للتوازن النفسي والصحة العقلية للإنسان إن كانت بالقدر المتزن المناسب، كما تختلف من فرد للآخر كما رأينا في التجربة السابقة التي أجريناها فلكل شخص آلياته الدفاعية المناسبة، أما إذا زادت عن حدها، أو تم استخدام آلية غير مناسبة، فتتسبب بمعاناة قد لا تقل شدة عن المعاناة التي أرادت النفس تجنبها.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد