ماذا لو قامت الدولة في يوم من الأيام بعمل استفتاء شعبي عن أحقية وحرية الأنثى في خلع الحجاب؟ أيمكنك أن تتخيل النتيجة؟ بحكم معاصرتي للمجتمع استطيع القول إن النسبة لن تقل عن 70% ضد أحقية الأنثى في خلع الحجاب، لو نظرنا في ذلك المثال البسيط عن الفكر الشعبي، فنستنتج مشكلة فكرية تسيطر على مجتمعنا بكل فئاته، وبالأخص المستثقفين الإسلاميين، وهي الخلط بين الأخلاق والحرية.

ليست كل حرية خلق؛ فالأخلاق تعتمد في معيارها الأساسي على العرف، بالدرجة الأولى، أي معيار الخير والشر بالنسبة لأمة ما.

فمثلًا، لو ذهبت لأحد ما في شبه الجزيرة العربية ونصحته بأن يكف عن ضرب يده بالعصا، فستكون شخصًا أخلاقيًا عظيمًا من نظر المجتمع ومن نظره، وستنظر إليك النساء الحسناوات وتقول: كيف أنت بهذه العظمة؟ وقد تحظى بنظرات من جارتك تفيدة التي تحلم بها قبل فتحك للمواقع الإباحية.

لكن إن ذهبت لرجل إنجليزي ونصحته بالمثل، فستكون شخصًا متدخلًا في ما لا يعنيك، أي لا أخلاقي من نظر المجتمع ومن نظره الشخص الذي نصحته، ومن نظر بنته ذات العينين الزرقاوتين فتظن أن أملك (الذي لم يكن موجودًا منذ البداية) في حبها انتهى!

قد تجد أن الأول مخطئ أو الثاني، فهذا يتوقف على مجتمعك، وما تربيت عليه ليس إلا.

أما عن الدين، فإن كان شموليًا مثل اليهودية أو الإسلام (وعندما أتحدث عن الدين فأنا أتحدث عن من يدعو أنهم يمثلونه، لا عن فكري الخاص في العهد القديم أو القرآن)، فليس مصدر تشريع أخلاقي (إلا ما يظنه مؤسس الدين في رأيه الشخصي، وهذا أقل بكثير مما يُظن)، بل مصدر لسن الأخلاق كقوانين تقيد الحريات، تخويفًا بنار تلسع مؤخرة من لا يسنها ولمن يعترض على سنها، هذا بالطبع يرضي المجتمع، ويجعله سعيدًا بهذا التقييد لأنه الذي يريده في الأساس، لكن ما المشكلة إذا كان المجتمع هو من يريد ذلك؟

يُخلق الإنسان في عدد من زجاجات الاختبار التي لا يختارها، مثل الوطن، الأسرة، العائلة والبيئة، فما ذنبه أن يحتمل أخلاق أمة لم يخترها؟ قد تجد ذلك هذا ليس عادلًا بعض الشيء، وهو بالفعل كذلك، فاعتقد أنه يجب أن (تحس على دمك) وتحقق العدل بيديك بقدر المستطاع، أينعم لن يتحقق أبدًا، لكن على الأقل أن تقلل فجوة الظلم تلك هو نبل منك.

كيف تحقق ذلك؟ ببساطة أن تجعل الفرد خارج عن سلطة المجتمع وخارج سلطة الدين، بعلمنة القانون الوضعي، بنفي نظام القبيلة البدائي هذا وإنشاء حياة مدنية، قوانينها قائمة على مصلحة أفراد الشعب، ليس الشعب كمجموعة، ومصلحة الفرد تأتي في حريته، حريته في أفكاره وفي أفعاله وفي كل نشاط بيولوجي يقوم به، وهذه الحرية تقف عند حد، ألا وهو ضرر الآخر من المجتمع.. هذا الآخر الطبيعي، الذي هو الكائن الهوموسيبين الوسطي الجميل، وما يضر هذا الكائن يمكن معرفته علميًا بالدراسة البيولوجية له، فمثلًا هذا الكائن في حالته الطبيعية لا يُثار خارجًا عن إرادته إلا من المناطق الجنسية (التي هي الأجزاء التناسلية)، لا ينزعج إلا من الأصوات ذات التردد المزعج أو المنتهكة له، لا يتنفس إلا هواء يحتوي على الأكسجين.

أنت تريد أنت تغطي رأسك، هذا قد ينظر إليه المجتمع كأخلاق، تريد ألا تتحدث، تريد ألا تتنفس، هذا شيء يرجع لك، هذا إضافي منك، لكن ليس لك الحق في أن تفرض على غيرك أن يفعل مثلك، أيضًا من حقك أن تتعامل بعنصرية مع من لا يفعل مثلك، طالما لا تعتدي على مدنيته.

فمثلًا لو كنت مالكًا لشركة من حقك أن تحتقر المثلي جنسيًا، ولا تجعله يعمل عندك، لكن بدون أن تعتدي عليه جسديًا أو نفسيًا بإهانة شخصه، فكونك مختل عقليًا أو رجعي لا تدرك حالته وكنهه ليس بشيء تحاسب عليه طالما لم تؤذ أحدًا، كذلك مع تعاملك مع الأنثى أو الرجل، أو أي عنصر مختلف معك.. كن عنصريًا بحدود طالما لا تعتدي على خصوصية المعنصَر، لا ضغائن، لكن اعلم أن حماقتك تلك لن تضر أحدًا غيرك، لن تضر غير صفيحة القمامة – و التي نحسبها عند الله عقلًا – التي بداخلك.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

أفكار
عرض التعليقات
تحميل المزيد