صديقنا الإنسان الذي يريد أن يحصل على حقوقه الإنسانية في إنسان آخر

يبدأ اليوم بشمس مشرقة، لكنها مشرقة بقدر تحترق معها الأعين والطرقات، يستيقيظ صديقنا الإنسان في السادسة صباحًا ليلعن عمله القميء واستيقاظه الباكر، ثم يرتاد إحدى المواصلات العامة ليلعن الازدحام الذي سيتسبب في فصله في يوم من الأيام، يجلس ما يقرب من سبع ساعات على مكتبه دون حراك، مما يتسبب في أمراض عظمية وضيق تنفس، يلتقط محفظته ليستعد للخروج من مقر عمله ليجدها خالية حتى من غبارها النتن، فلا يعلم أيشكر السارق على تنظيفه لمحفظته الفارغة من الأساس، أم يلعنه هو الآخر لسرقته الدنيئة، يعود إلى منزله هالكًا ليلعن حياته وديونه التي لا تنتهي، ثم يأتي الليل ليعاني من أرقه المعتاد وأفكاره الانتحارية، ويمنعه من تلبيتها فقط أن زواجه على بعد أسابيع، ولا يريد أن يحزن من حوله، ثم بعد زواجه لا يتردد ولا يتحرك له جفن وهو يلقح بويضة زوجته ليأتي للعالم بإنسان آخر ليعاني معاناته نفسها، دون أن يأخذ برأي صديقنا الجديد المسكين، ليتخذه ملكيته الخاصة، يأمره طوال حياته، ويحجر على رأيه، ويتخذ قراراته عنه، معتقدًا أن هذا حقه التام!

قد يعتقد البعض أن هذا صحيح، وهذا حق طبيعي للبشري أن يتحكم بأولاده، فهم ملكيته الخاصة بالمعنى الرأسمالي، هو حيوانه المنوي على أي حال وبويضة زوجته، وطعامه الذي عمل لأجله هو الذي كون أنسجته التي جعلته إنسانًا كاملًا، ولا يعيب هذه الفكرة شيء غير أن الملكية بالمعنى الرأسمالي ليست حقيقة كاملة، فعلى الرغم من تجليها في الشكل البديهي، فإن فكرة الملكية الخاصة من الأساس لا تستند إلى أساس منطقي قوي كما يبدو، فإن أرجعت كل شيء يمتلكه الإنسان لجذوره ستجد أنه شيء في الطبيعة من الأصل، ومجرد عثور الإنسان عليه يجعله ملكه، هو لم يخلقه من العدم، بل هو موجود ومتاح لكل الخليقة وسطا عليه هذا الإنسان لمجرد عثوره عليه، فالملكية الخاصة ليست حقًّا لأحد، إنما هي عملية منظمة للحياة الاجتماعية للبشر ليس إلا، وهنا يرجع التساؤل: طالما أنها عملية منظمة للحياة الاجتماعية، فلم لا تطبق على الأطفال أيضًا؟

الإنسان – على الرغم من بؤسه وإثارته للشفقة- فإن هذا لا ينكر عظمته منذ ولادته، ليست عظمة لوحة تجريدية مليئة بالمعاني، بل عظمة لوحة تصويرية طبيعية من عصر النهضة مليئة بالدقة والتفاصيل الفارغة لكن المبهرة، ولتحقيق تلك العظمة لزم وجود المجتمع المتكامل السعيد، فلولا أن الإنسان كائن اجتماعي ما كان قادرًا على بناء الحضارة وتحقيق السعادة لنفسه ولغيره، فدخول الإنسان للمجتمع غرضه الأساسي أن يتكامل معه بمساهماته المحدودة؛ ليحصل على مساهمات كثيرة ومتنوعة تجعله أسعد، وتجعل فرص نجاته وبقائه عالية. لكن ما هو المجتمع؟ المجتمع (وهو تعريفي له من خلال قراءاتي في الأنثروبولوجي) هو: جماعة من الناس يربط بينها دين، أو فكر، أو صفات شكلية، أو أصول عرقية، أو أرض واحدة يتبادلون فيه الموارد المنتجة من غذائية، أو حربية، أو ترفيهية لتحقيق التنوع المطلوب، لتحقيق سعادة الفرد وضمان بقائه، ويحكمهم قانون يتفقون عليه ويتبعونه. إذن فالبنية الأساسية للمجتمع هي المجموعة من الناس التي تريد المساهمة في هذا المجتمع لشعورها فيه بالسعادة، والسعادة تتطلب الحرية والمساواة والحقوق، ففور ما تذهب الحرية، تنقلب الفئات المقموعة على رؤساء المجتمع، أو يهجرونه تاركين فيه فراغًا لا يعوض؛ مما يؤذي جميع الأفراد، ولنا في الحرية الدينية على مر التاريخ الكثير من الأمثلة، كما حدث من كهنة آمون على إخناتون، وكما حدث بين الرومان الوثنيين والمسيحيين، وعلى هذا مع الحرية والحقوق المصنفة على الأساس العرقي، كما حدث في أمريكا الشمالية أثناء الحرب العرقية، على هذا في أبسط الحريات، مثل هجرة النشطاء السياسيين والعلماء العرب من بلادهم، وثورات الربيع العربي، فما لا تفهمه تلك المجتمعات القامعة أن سعادة كل فرد فيها هو الشيء الوحيد الضامن لسعادة المجتمع بأكمله.

أما عن حرية المراهقين والأبناء، ليست خطورتها فقط في الهجرة أو توليد مشاعر الكره، بل إن في سن كهذا تصبح الأزمات النفسية أسوأ ما في الأمر، فينتهي الأمر مؤخرًا بمحاولات انتحار، وضعف شخصية، وجبن، وتخلف فكري، وإن كنت ترى أن الأجيال التي كانت تربى في أوقات الماضي على سبل الملكية الخاصة مثال تحتذي به، فعليك أن تتعرف على الأجيال الماضية وما صاحبها من عقد نفسية وتشويه نفسي، من عقد عظمة، لجبن، لعنف وانغلاق وتحجر فكري، انظر إلى المجتمعات التي ربت أطفالها على أسس الحرية، وانظر إلى تقدمها وعقولها المجددة العبقرية، لاحظ أنك الآن ما أنت إلا مجرد مستهلك لخدمات نظيرك الأوروبي، ونتيجة لذلك الكبت ما كانت إلا بيوتًا يكره أصحابها بعضهم بعضًا، ثقافة تندثر وعنصرية تعود من قبورها، جهلًا بكل الأساسيات العلمية، انغلاقًا فكريًّا وأجيالًا جل طموحاتها هي الجنس والطعام، دفن رؤوس الحق تحت عباءات الدين، خوف وتربص لكل ما هو غريب، باختصار: حيوانات تسكن المدن!

فعندما يعود الأمر إلى الإنجاب نحن نتحدث عن بشر تجلبهم لمجتمع وتدخلهم عليه، فلا يمكنك أن تزيحهم إلى الداخل ليكونوا عالة تنشئ عالات وتؤثر في معولين، قنبلة غضب موقوتة قد تنفجر في وجه أقرب من لهم، نحن هنا لا نتحدث عن مجرد شعور الدولة بالإنسانية تجاه أطفال ما يربون على أيدي معتوه معاق نفسيًّا؛ فالإنسانية ليست موجودة لاتسام الإنسان بها، أو لاأخلاقية الداعين لها، بل هي مصطلح أناني لا يهتم أصحابه إلا بضمان بقائهم ونجاتهم هم، وهو المطلوب، فإما أن تنجب أطفالك ليكونوا أصدقاءك، وإما لا تنجب وتريح العالم من جيناتك.

لن أكون متحاملًا على صديقنا الإنسان هناك وأقول له كما قال سيوارن إن الإنجاب جريمة، وأتشدد على هذا المسكين، لكن لنكن واقعيين، الأمر ليس خياريًا بالنسبة له أو لغيره، بل إنه أمر قانوني منطقي إلزامي على كل أفراد أي مجتمع مدني، وللأسف مجتمعنا المدني الذي نعيش فيه مخنث بعض الشيء، فالقانون لن يطول كل طفل يتعرض لمثل هذا الكبت الأسري، وحتى إن طاله فالأمر لرجال القانون تحكمهم عواطف وأديان الهوى القديمة، التي لا تحاكم الأب على قتل ابنه، مما يجعلني أنظر إلى العصور الحجرية بعيون الاشتياق لحرية الهجرة، ونظرًا للتحجر الفكري للقارئين مما يجعلهم لا يحاولون التفكير في المقال أو تفتحهم بقدر يجعلهم يدركون ذلك قبل قولي إياه، فهذه الأنباء يا عزيزي: هذا المقال بلا فائدة على الإطلاق.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد