آسفة للقول، ولكن لا توجد جرعة سحرية لذلك، لا توجد وصفات صالحة للجميع. نحن فريدون؛ وبالتالي، فإن طريقة الاستمتاع بحياة كاملة وسعيدة هي أيضًا فردية وشخصية، غير قابلة للتحويل. الصيغ المركبة غير صالحة. يجب أن نجد لنا شيئًا منطقيًّا، يعمل بشكلٍ جيدٍ لكلٍّ منا.

ومع ذلك، هناك بعض الصفات الأساسية، كما يقول علماء الرياضيات، الشروط اللازمة؛ فحياتنا كلها مبنية على عاملٍ مهمٍ في كل علاقاتنا؛ وهو  الثقة: ثقتنا في النظام السياسي الذي يحكمنا، ونطور فيه حياتنا، في أطبائنا، وأكلنا وشربنا مع غيرنا. ماذا سنصبح دون الثقة؟ لا يمكننا حتى تصور ذلك، أليس كذلك؟ كل شيء موثوق به. وهذا المفتاح المقوس للنظام ، كما يحدث في أيامنا، عندما يتم فقده، يتسبب في انهيار كل شيء من حولنا وتحدث الأزمة.

لكن الثقة الأكثر أهمية؛ والتي يبدأ فيها كل شيء وينتهي، هي تلك التي يمتلكها المرء في نفسه، وتكون قوتها مستمدةً من جذورها الأصلية؛ لأن غياب هذه الثقة المفتاح؛ ستكون دمارًا لأنفسنا، وكما نعلم؛ فالثقة ضرورية للنجاح والسعادة والحياة، ولكن  كيف يمكن تحقيق ذلك؟ حسنًا، في هذه المرحلة توجد قاعدةٌ واحدة لتصل بك الى السمو وهي الثقة بالله.

كي نثق بالله؛ يجب علينا أن نعرف ما تعنيه كلمة الإيمان؛ والتي هي الاقتناع بأن شيئًا مرغوبًا أو متوقعًا سيحدث باسمه، وأن ما يصيبنا من خيرٍ وشرٍ، هو لحكمةٍ إلهيةٍ؛ ندرك فائدتها فيما بعد، وتلقى كل مايحدث لنا في هذه الحياة بصدرٍ رحبٍ ورضا. أليس من أركان الإيمان، أن نؤمن بالقدر خيره وشره، وقبول مقاصده في حياتنا، ونؤمن أن الله وحده الذي يملك السيطرة المطلقة على كل ما يصيبنا، مهما حدث، فنحن نثق دائمًا بالله؛ نثق به في الأوقات الصعبة. إنه شعور بالسلام في القلب؛ لأن الإيمان يسبق النصر والشكر. ثقتنا في الله، يقينٌ بأن رحلتنا في الحياة ستكون عادلةً وتصالحيةً، تقضي على كل الشكوك والمخاوف التي في قلوبنا.

قبل مصيبتك، تصلِّي لله أولاً؛ لأن ثقتك به سبحانه هي دعامتك لتقوية نفسك في محنتها، النفس الواثقة بالله تثق بقدراتها؛ تحارب بكل ما أوتيت من قوةٍ؛ لأنها لن تكون وحيدةً بعد الآن، وتعلم أن ثقتها في ربها، ستوصلها إلى بر الأمان، مهما توالت عليها نوائب الدهر.

والواثق بالله، يحصل له من الأنس بربه ما لا يحصل لغيره، وإذا قَسَتْ عليه الأيام وزادت عليه الخطوب والمشاكل، تراه دائمًا هادئ البال، ساكن النفس؛ لأنه يعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه، لسان حاله يقول قوله تعالى: «قل لن يُصِيبَنَا إِلاَّ مَا كَتَبَ الله لَنَا هُوَ مَوْلاَنَا، وَعَلَى اللّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ» (التوبة 51)، وتحصل له الثقة بنصر الله وتأييده مهما طال الطريق، ومهما تكالب الأعداء وطغوا وأفسدوا، وأرغوا وأزبدوا، ومهما قوي عتادهم وعدتهم وأنصارهم، يوقن بأنه لا حول لأيّ قوّة في العالم ولا طول لها إلا بعد أن يأذن الله، و يجزم بأن هذا الكون وما فيه من أنواع القوى؛ ما هي إلا مخلوقاتٍ مسخرةً، تجري بأمر الله، وتتحرك بقضائه وقدره.

إن من  أعطاك صباحًا مشرقًا، ووهبك فرصة أخرى للعيش والرغبة في القتال لتحقيق أحلامك؛ فلا تدع أي شخص يأخذها منك. احتفظ بها سرًّا في أعماق قلبك، اعتن بها في مسيرة حياتك؛ لأنها مصدر قوتك أمام نوائب الدهر، أطعمها بأحلامك، حتى يأتي يوم النور، وتنكشف غمتك وأنت مدعمٌ ومشبعٌ بهذه القوة الإيمانية، تغديةٌ روحيةٌ لتغذية نفسك، وتمكينها بمواصلة مسيرتها بكل ثقة؛ فالنفس التي لاتثق في الله؛ كيف لها أن تثق في نفسها وفي الآخرين؟

الثقة في النفس لا تولد معنا؛ وإنما هي صفة تتطور بمرور الوقت وتتطلب العمل. إن مشاعر الإهانة، والإذلال، أو المخاوف؛ التي نتعرض لها جميعًا في حياتنا، لا تجعل الأمر سهلًا بالنسبة لنا؛ لكن لم يفت الأوان أبدًا لبدء البناء، حتى وإن كان عليك وضع الحجر الأول، وفي وقت متأخر.

الثقة بالنفس: تعني شعورنا بالثقة تجاه أنفسنا، وموهبتنا وقدراتنا للتعامل مع كل ما قد يحدث، ليس بطريقةٍ متغطرسةٍ، ولكن بطريقةٍ واقعيةٍ؛ هذا  الأمان لا يعني الشعور بالتفوق على الآخرين؛ وإنما معرفة داخلنا وبصفاء أننا قادرون، وأن كلمة (أستطيع) بدلًا من (لا أستطيع) تحمل كثيرًا من الفوارق.

 والأمن الذاتي مهم جدًا؛ لأنه يعلمنا مواجهة تجارب الحياة، عندما نكون متأكدين من أنفسنا؛ فإننا نميل إلى الاقتراب من الناس والفرصن وإذا لم ننجح في البداية؛ فإن الثقة بالنفس تساعدنا على المحاولة مرة أخرى، تساعدنا على التحرك نحو اكتشاف وتطوير قدراتنا؛ عندما نرى ما نحن قادرون عليه، ونفخر بإنجازاتنا، فإن ثقتنا تزداد قوة.

أهم شيء لاكتساب الثقة في نفسك هو أن تعرف نفسك وقيمتك جيدًا، ومفتاح تحسين ثقتك بك هو معرفة أنه لا يوجد شيء لا يمكن تعلمه، مثل مجموعة من القواعد، ولكنه مبني من حالة ذهنية. تتضمن هذه الحالة العقلية التفكير الإيجابي، والممارسة، والتدريب، والتعرف على بعضنا بعضًا، والتحدث مع الآخرين؛ ولتقوية هذه العلاقة مع نفسك لابد لك من اكتساب مهاراتٍ أخرى هي :

أن تكون صادقًا مع نفسك دائمًا

ابتعد عن كل شخصٍ سامٍّ ، واقترب  من كل شخصٍ طيبٍ. «لن يكون أي رئيس جيدًا، إذا لم يكن قادرًا على خلق بيئة عملٍ جيدةٍ من حوله، وإذا لم يكن قادرًا على اكتشاف الأشخاص الذين سيجعلون شركته وفريقه ينجحون». تعلَّم أن تدرك أن هناك أشخاصًا يشحنونك بالطاقة الإيجابية، وأن هناك آخرين يفعلون عكس ذلك. أشخاصٌ  (يمتصون) طاقتك، ويتصرفون مثل (مصاصي الدماء) أصحاب العاطفة المزيفة.«إنسانٌ صريحٌ يكشف لك مساوئك لتصحيحها؛ خيرٌ من منافق يغمرك بكلماتٍ معسولةٍ؛ ظاهرها عسلٌ، وباطنها سمٌّ قاتلٌ». احذر من العلاقات السامة؛ (الحاقد ، المتشائم ، السلبي ، الطفيلي…) من كل أولئك الذين يحاولون قطع جناحيك.

كن قريبًا من أولئك الذين يمكنهم تعليمك، وقول الأشياء في وجهك؛ إذا كنت تريد أن تتحسن حقًا؛ فاستعن بشخصٍ ما ليخبرك بشكلٍ خاصٍّ عن نقاط ضعفك، وأخطائك، من أولئك الذين حققوا أحلامهم. تعلم من أولئك الذين استخدموا الطرق الصحيحة للوصول. إن رؤيتك لنجاحهم، سيشجعك على المضي قدمًا، ومتابعة ما تتوق إليه. ابحث عن القوة للخروج من (منطقة الراحة)، وما عليك فعله هو تغييرها وفقًا لدوافعك، والسماح لك بالنمو.

الكفاءة الذاتية

 إن تعليمنا أو حتى الصور التي تم نقلها إلينا من قبل الأسرة أو المدرسة، يتم توجيهها فقط على الجانب الآخر. الخوف بعد الخطأ؛ الذي يخلق عدم الأمان، ولا أحد يرشدنا للتعلم من العملية، لتغذية الوهم وإحساس الكفاءة الذاتية.

إحساسك بأهميتك؛ بأنك تستحق خلق الحياة التي تريدها، قناعةٌ بأنَّ لديك الموارد والقدرات لتحقيق ما تريد، تلك هي الكفاءة الذاتية.

يجب أن تكون علاقتك معك ملاذًا آمنًا .

ثق بنفسك، حتى وإن جعلك المجتمع، أو عائلتك أو شخصيات أخرى تعتقد أنك غير صالح لأشياء معينة، يجب عليك فقط اكتشافها. هناك إمكانات فيك أكثر مما تعتقد، ومن واجبك الكشف عن تلك القوة الخفية، والقدرات الاستثنائية التي تعزز نموك الشخصي.

أنت لست كالآخرين

لا تكن كالذي يعيش في جلباب أبيه، في مجتمع يقارن فيه بعض الناس أنفسهم باستمرار بالآخرين؛ لأن مقارنتك بهم تعني عجزك، تصورٌ فاشلٌ مصدره الآخر؛ الذي أضعف ثقتك بنفسك وأدى إلى تآكلها، ومن العبث أن تفعل ذلك، لأنك مختلفٌ عن الآخر؛ فبدلًا من إضاعة الوقت في المقارنة والشعور بالأسف على نفسك، استخدم آلياتك لتطويرها.

كن مع نفسك في الأزمات

ثق بنفسك. مهما حدث؛ من الممكن أن تكون قد مررت ببعض الأزمات، ببعض الأخطاء، ولا أحد يقاسمك أحزانك وأوجاعك بنفس شعورك، نفسك وحدها من تعي ذلك، حربٌ داخليةٌ قادتك  إلى إهدار طاقتك بلا فائدة؛ فثقتك بنفسك في الأزمات، سندك؛ لتستجمع كل قواك، وكلُّك عزيمةٌ وإصرارٌ على الفوز؛ لأن النفس القوية لا تعرف للهزيمة عنوانًا.

عش حياتك تحت قيمك

تموت روحك ببطء عندما تعيش متناقضًا مع قيمك الخاصة. حياتك لك وبالتالي أنت مسئول عنها. إذا سمحت لنفسك بقيادة ما تم وضع علامة عليه من الخارج، ولم تكن صادقًا مع نفسك؛ فأنت تتوقف عن أن تكون حرًّا، لأنك تركت نفسك تذهب، ولكن إذا أعدت صياغة الموقف، وقمت بتصفيته من خلال قيمك؛ فسوف ترى كيف تزدهر ثقتك بنفسك، وبقوتك العقلية. قيمك أقوى بكثير من الفرضيات الخارجية، والاتفاقيات الاجتماعية. إذا لم يعيش أحد من أجلك؛ فلا أحد يستطيع أن يقرر بدلًا عنك؛ لذلك راجع قيمك لتجد نفسك.

ضع كل ما سبق موضع التنفيذ، دون وضع نفسك تحت ضغطٍ مفرط، كن طموحًا، ولا تضغط على نفسك كثيرًا؛ حتى لا تصبح عدوةً لك، يجب أن تكون متفائلًا وواقعيًّا، بما يمكنك تحقيقه. إن أكبر عدو في عمليات التنمية الشخصية هو نفاد الصبر، والرغبة في السير بسرعةٍ كبيرةٍ، كمن يعتقد أن هناك معجزاتٍ، وأنه بمجرد قراءة كتاب، وأربع جلسات تدريبٍ، يحقق النجاح؛ فزمن المعجزات قد ولى. بشكل عام؛ الثقة هي وسيلة للرد، وموقف تجاه الحاضر يسمح لنا بالوصول إلى مستقبل أكثر سعادة وحرية وأكثر اكتمالًا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

الحياة, ثقتك, قوتك
عرض التعليقات
تحميل المزيد