لا أستطيع التصديق أن رجلًا كعمر خيرت لم يكن يومًا يستطيع أين يضع يديه على البيانو، لا يستطيع أن ينظم إيقاعًا ويمنح لنفسه فراغات زمنية «عالشعرة»، ولكن كسر المرة الأولى وتمادى في فنه حتى أخرج لنا مقطوعات، كما أسميها هي صوت مصر، ما أن يفور اللحن حتى تشتعل في نفسك حروب وثورات مصرية، وما أن تهدأ فتتذكر الليل الهادئ، وأعمدة الإنارة الصفراء تضيء الأسفلت الأزرق الذي يعكس السماء، وترى البنايات المزخرفة بينها عبق الزمان، قد شهدت ما شهدت، وظلال الخلق تتلاشى بجانبك في الشارع، والغبار والأوراق تتطاير كأنها تسمع مثلك.

كل هذا لم يكن ليولد إذا أثر عمر خيرت الخوف والرهبة، ولم يملك شغف الإكمال، ولم يؤمن بنفسه، ولم يكمل مقطوعة حياته، ولم يغادر شرنقة الرهبة.

اصنع بداخلك عالمًا يتسع لكل المعتقدات والدوافع، اخلق الثقة، اصنع نغمتك الخاصة، واجعلها أنثى تتراقص في قلبك حافية القدمين، يرتجف قلبك في كل حركة تحدثها، دائمًا تملك ما تكتبه، ما تعزفه، ما ترسمه، أو أنت شاعر حساس يختصر كل شيء في بيت موزون منظم في قدرة عالية من الفلسفة، اقرأ واستمع وشاهد، اخلق لنفسك المراجع.

إن الفشل كالنجاح ليس حتميًّا، ولكن التجربة هي ما تحدد، أنت دائمًا لديك ما تسطيع نقله، اسرد نفسك، وقلبك، وعقلك، وما يشغلك على الأوراق، تأمل قدراتك، أنت لم تولد عبقريًّا ولا نبيًا يخرج من فمه الحكم والصور المكتملة، كلما تحدث؛ بل إن أعظم الكتاب قد مزقت مسودات لهم تكفي لعمل مجلدات أعمال كاملة، ولكن المضمون يختلف.

كل شيء فيك نامٍ حتى الفشل، فلا تعطي طاقة لشيء يبدد طاقتك، اصنع ما شئت وستجني ما تستحق، وإن لم تجن ما انتظرته، تمرد على نفسك وعلى قدرك، أنت ولدت لتقاتل أعزل اليدين، فارغ العقل وضعوك في حلبة وفتحوا الأبواب لأسود لتدخل وأنت واقف ولكنك ستغير كل شيء، أعمى خرج من الظلام ليعود إليه، وتسير فتتفتح عيناك وينمو كل شيء فيك ببطء، كأنك تخلق نفسك.

قطعة من الطين مبهمة لا ترى فيها فنًّا، وما أنت تشتعل النيران يخرج منها فكرة قد رسخت في عقل النحات وتتأملها هذا أنت. تعرضت للقسوة حتى تصل للمطلوب «هذه الفكرة مقتبسة من بيت شعر لعمر طاهر كان في إحدى (بوستاته) على الفيس بوك، وتأتي تطبيقًا لرواسب العقل الباطن التي قرأتها في رواية (مثل أيكاورس) لدكتور أحمد خالد توفيق، حيث إنني لم أقصد الاقتباس، ولم أعرف إلا في المراجعة ولم أرد حذفها».

أنت كالكاتب لا يدرك يقينًا ما سيكتبه في السطر القادم، ولكن هناك كثيرًا من الاحتمالات وكثيرًا من الشكوك، ولكنه لا يعبأ بها فهو من يختار، هو من يحدد، هو من يملك نواصي الأمور، ليس مرغمًا على شيء سوى النجاح، أأنت تعلم ماذا يحمل لك الغد؟ إن كان خيرًا فليكن، وإن كان شرًّا فاصرف عنه نظرك.

فيقول الشاعر (وهو أنا):

اليوم اللي عدى أنا أقوى منه

واليوم اللي فاتني مستغني عنه

لذا أنت كل يوم يمر بك، ويعصف بك ما يعصف لا تملك إلا أن تجعله في صالحك، كل يوم يمر عليك أنت تصبح خبيرًا في المهنة،  قصتك -أو قصة حياتك- تزداد حبكة، قصيدتك تزداد بيتًا، تصميمك يزداد تفصيلة، أنت منحت الموهبة ولا تدرك ماهية إلى أن تكتشفها فتظل تفكر، وهي ذنب يؤرق صاحبه، ستحاسب على إهدارك لموهبتك، إن من صلح منهم هو من قال: «ربنا ولا تحمل علينا إصرًا كما حملته على الذين من قبلنا».

أنت ذو عقل مبدع يأتي بالأشياء من اللامكان، يقف في منتصف اللامكان ويبني العالم حوله، لا تحكم على جودة عملك أبدًا، وهو تحت الإنشاء حتى ولو كنت تعرف المواصفات والمطلوب ، لا بد أن تهتم بعملك وأن الإلهام لا يهتم بك مثلما تهتم أنت، فهو يقول «الاهتمام مش بيطلب» فيجب أن تبدأ أنت الحديث بالعمل حتى يأتيك، أتذكر جملة لأستاذ نجيب محفوظ يقول: «لو كنت أستنيت الإلهام كنت كتبت روايتين تلاتة».

فلموهبتك حق عليك وهو العمل، احتضنها في كل لحظة من حياتك كن كثير التأثر وشرود الذهن والصمت يفيد أحيانًا، اسمع من هنا وهناك واصنع أسلوبك الخاص في أي مجال، في أي شيء تفعله، تتضح الصورة أمامك مرة تلو الأخرى، بل تتضح شخصيتك، في الكتابة يجب أن تعرف من أنت وما الذي طرحه من تفاصيلك، القارئ لا يقرأ كلمات جامدة لا تشعر، بل يقرأ إنسانًا فأنت لا تجمع الكلمات ولا تصنعها، أنت مبدع يعيد تنسيق الأمور، أفضل الأفلام بالنسبة لي وهي قاعدة عامة بالنسبة لي أيضًا، إن أفضل فيلم أشاهده هو ما يمكنه أن يظل بعقلي بكل المشاهد والمشاعر الذي أشعلها لفترة زمنية طويلة بعدما شاهدته، وأظل دائمًا أستشهد به، ويكون بمثابة مرجع، هكذا هو عملك أيًّا يكن.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد