نقلتُ هذا الكلام عن صاحبه (أ.م) الذي فضّل عدم الكشف عن هويته لحساسية الموضوع المطروح، وقد لحظتُ فيه إرادةً شديدة لنقل تجربته إلى الجميع علَّها تفيد محتاجًا وتنبه غافلًا، فاستأذنتهُ بتدوينها ونقلها كما سمعتها مع الاعتناء بصياغة النص وسبك الكلام.
يقول (أ): عانيتُ لثلاث سنوات من إدمان الإباحيَّة المرئية، أنقطع أيامًا عنها وأعود، أتوقف شهرًا ثم ما ألبث أن أعود لسيرتي الأولى معها. كان الأمر سيئًا، توقف وعودة، انقطاع ومتابعة وهكذا دواليك. كنت أشعر بالعار والندم بعد كل مشاهدة. أُصِبتُ بالاكتئاب والإحباط جراء فشلي المتكرر للمشاهدة بعد الانقطاع والتوقف، فضلًا عن الأضرار المادية التي لحقت بي بسبب التقصير في العمل، ورسوبات متكررة وسقطات متوالية في الدراسة والامتحانات.

  • يوم الخلاص:

ثلاث سنوات لم أذق فيها طعم الهناء وراحة إلى أن أتى ذلك اليوم – وأسميته يوم الخلاص – كنت في الطائرة عائدًا لتوي من زيارة عائلية، معلقًا بين السماء والأرض، تحت النجوم وفوق الغيوم، ومن حيث لا أدري ينبثق ذلك الخاطر: لأكثر من ثلاث سنوات ما الذي يدفعني لأُجهِد النفس وأحملُها على ما لا تريد! لماذا أدفعها للتوقف عن مشاهدة تلك المرئيات! نعم لقد كانت لي العديد من المحاولات، لكن الذي فاتني أني لم أسأل نفسي يومًا لماذا أريد التوقف عن المشاهدة. على العموم، كنت أعلم أن مشاهدة الإباحية ليست بالأمر الصحيح والفعل السوي، لكن هل يقتصر الأمر على هذا؟
في المساء، بدأت البحث والقراءة حول مخاطر إدمان الإباحية، ووصلتُ إلى عددٍ جيد من الدراسات الطبية والنفسية حول الموضوع واستمعتُ إلى الكثير من الدكاترة والمختصين في هذا المجال، كان لا بد عن الاعتراف أولًا أنني مريض بالإدمان على مشاهدة الإباحية! كانت هذه البداية: الاعتراف بمرض الإدمان وخطورته، وأنه لا بد عن علاجه والخلاص منه. قبل البدء بالعلاج، كان لا بد عن وجود دافع يدفعني للتخلص من هذه الآفة، أستعين به وأتقوَّى بوجوده، وأشدُّ به عزيمتي. كان الله أولها، فالله تعالى لا يرضى للإنسان الكريم كما تعلم النظر إلى هذا الفحش والفجور، فضلًا عن أمره تعالى بغض البصر وعفَّة النفس، وكان هناك الدافع الأخلاقي والنفسي والصحي أيضًا.

«توقّفت عن مشاهدة المواد الإباحية لسببين تحديدًا: أولهما لأنّ المواد الإباحيّة أقحمت الكثير من الغضب والعنف في خيالاتي الخاصّة، بالرغم من أنهما لم يكونا موجودين في الأصل ليُبنىّ عليهما، ولم أكن أعد أريد هذا لنفسي. وثانيهما أنّي بدأت أدرك أنني أشارك في خلق طلب للدّعارة المصوّرة عبر مشاهدتي للمواد الإباحيّة، ولم تكن الدعارة هي حلم الطفولة لأي منا».

ران جافريلي، مؤتمر تيد 2013

وتمثَّلت الخطة التي سِرتُ عليها في الخطوات التالية:

  1. ما الذي يدفعني للمشاهدة:
    كانت البداية أن قمتُ بكتابة جميع الأسباب التي تدفعني للمشاهدة (ضغط الدراسة والعمل، القلق، الاكتئاب والإحباط، حِدة الشهوة، الفوضى في الحياة الشخصية، غياب الأهداف الواضحة، عدم وجود خطة للدراسة وللحياة)، وبقليل من التفكير أدركتُ أن المشاهدة لا تحلُّ أي مشكلة ولا تخلصني منها، على العكس، كان الأمر يزداد سوءًا في كل مرة والضرر يتفاقم.
    كانت البداية في التخلص من الأسباب بقدر المستطاع وإيجاد الحلول، وكان لهذا الفعل أثرٌ كبير في شفائي من هذا الإدمان الخبيث.
  2. التخلص من المخزون الإباحي
    جاءت هذه الخطوة متزامنة مع الخطوة الأولى، لم أبقِ على أي شيء من أشكال الإباحية إلا وحذفته بشكل نهائي. نظفت جهاز الكمبيوتر والجوال من كل ما يتعلق بها، وقمت بحذف سجل التصفح والبحث من جميع متصفحات الإنترنت، وصعّبت الوصول إلى المواقع الإباحية، وبالقدر الذي استطعت منعتُ نفسي من الوصول للإباحية بمختلف أشكالها.
  3. تأجيل وتسويف المشاهدة:
    (إن تخطيتُ الأيام العشر الأولى بدون أي مشاهدة، سأكافئ نفسي بمشاهدة مقطع قصير) هذا ما وعدتُ به نفسي في اليوم الأول من رحلة العلاج، حين تخطيت الأيام المحددة وأتى اليوم الموعود، أجّلتُ الأمر لثلاثة أيامٍ أخرى مؤمِّلًا النفس بنصيب أكبر وحظ أفضل إن هي صبرت وانتظرت. انقضت الأيام الثلاثة، وأجّلتُ الأمر مرة ثانية لأسبوع آخر مؤمِّلًا النفس بذات الوعد السابق، وهكذا حتى تخطيتُ حاجز الثلاثة أشهر دون مشاهدة عن طريق المماطلة والتأجيل.
  4. تسجيل الانتصارات:
    قسمت ورقةً بيضاء إلى قسمين، الأول كتبت فيه أضرار ومساوئ مشاهدة الإباحية وسلبياتها، وكنتُ أقرأها كل يوم لما يزيد عن ثلاث مرات؛ والقسم الأخر لتسجيل الأيام التي تمرُّ بدون أي مشاهدة. كنت في كل ليلة قبل النوم أشعر بالفخر والنصر والاعتزاز ويملؤني الرضا وأنا أسجل يومًا آخر بدون أية مشاهدة.
  5. أهداف جديدة وروتين جديد:
    لا بد عن ملء الوقت وإشغال النفس بما يشغلها عن التفكير في الإباحية وخيالاتها (وهذه نقطة هامة جدًا غفلتُ ويغفل عنها الكثيرون أمثالي) وضعت أهداف جديدة لحياتي الأكاديمية والمهنية، تعلَّمت السباحة وكرة الطائرة، اشتركت في العديد من الأنشطة الاجتماعية والأعمال التطوعية التي بجانب فائدتها لي في طريق الخلاص، ساعدتني على استعادة ما فقدته لسنوات: ثقتي بنفسي واعتزازي بشخصيتي، وإني قادر على مساعدة الآخرين ونفعهم.
  6. تكلّم عن أضرار ومساوئ مشاهدة الإباحية
    قد يبدو من السخرية أن أذكر هذه النقطة وأنت تنقل عني هذا الكلام. نعم أنا لم أملك الجرأة للحديث أمام الجميع، كما تعلم مجتمعنا ليس متقبلًا لهذه الأمور، لن يَقبلَ أو يتفهم أنك مصابٌ بما يسمى إدمان الإباحية. ستلاحقك اللعنات والمسبات والهمزات، وستغدو الفاجر المنحرف في نظرهم.
    في هذا الصدد، اتخذت لي طريقًا آخر، اشتركت في عدد من المواقع العربية باسم مستعار، وبدأت بالتدوين والكتابة حول الأضرار والمساوئ التي تلحق بمُشاهِد الإباحية، وضمن حيّزٍ محدود من الأصدقاء والمعارف تحدثت عن الأمر أيضًا، كنتُ أقدم لهم النصائح والمعلومات وكان لذلك الأثر الكبير في علاجي وخلاصي.
    أقول لكل من يريد الخلاص: لا تخجل من الكلام ولا تخف، ابحث عن الطريقة التي تناسبك وتحدث، ليس المهم كيف، المهم أن تتحدث، لأجلك ولأجل أمثالك تحدَّث.

أطَّرتُ كل هذه الخطوات السابقة بالصبر ومجاهدة النفس. أقول لك: لم تمضِ السنة الأولى بدون أي انتكاس أو سقوط، كان هناك العديد من العثرات والانتكاسات في طريق الخلاص، ضعفت نفسي عدة مرات، أخْلَلْتُ بالخطة وشاهدت ما شاهدت، لكن لم استسلم هذه المرة، كنت بعد كل مشاهدة أجدد العهد وأعود من جديد، هكذا حتى مضت السنة الأولى بمعدل ثماني انتكاسات، أما السنة الثانية فمرت بسلام، وها أنا في سنتي الثالثة الحمد لله بدون أية مشاهدة، لقد تخلصت من إدمان الإباحية بجميع أشكالها بشكلٍ نهائي.
ما أريد أن أقوله لمن يريد الخلاص، عليك بالصبر ومحاربة النفس ومجاهدتها على الإقلاع، ولا بدَّ لك إن أردت الخلاص أن تكون صادق النية قوي العزيمة جاد الإرادة في مسيرتك وطريقك.
يختم (أ) كلامه: الإباحية يا صديقي تجارة، تسلِّع الناس، وبالأخص النساء، تقتل هذه الإباحية كل القيم الكريمة والأخلاق النبيلة، تشوِّه ذاتنا، وتقتل العاطفة، والشعور فينا. كنتُ عبدًا ذات يوم لها، وأشكر الله أني تحرّرتُ منها، منذ ذلك اليوم وأنا في بحبوحة وفيرة أُحسَد عليها من السعادة والسلام والرضا عن النفس.

  • في الختام: (الكلام للمدوِّن)

من الملاحظ أن هناك حرجًا بالغًا وتمنُّعًا قاطع عن الخوض في الحديث والمواضيع المرتبطة بأضرار بالإباحية وكيفية الخلاص من هذه الآفة، ولا يخفى على أحد الانتشار الهائل لمشاهدة الإباحية، وتداولها في السنوات الأخيرة بالعالم الإسلامي عمومًا، والعربي خصوصًا، وبالرغم من هذا لا تزال الفئة الأكبر من المجتمع ومتعلموه يفضلون تجنب الخوض في هذه المسألة أو ما يدور في نطاقها.
إن التكتم وتجنب الحديث عن هذه الظاهرة لحساسيتها لن يجدي نفعًا ويقدِّم حلًا، ولا يرضاه العقل سليم ولا الدين الإسلامي القويم. وإن لم تُكثَّف الجهود اليوم بزيادة التوعية من الأضرار والمساوئ، وإن لم يتصد المتخصِصون والخبراء لهذه الآفة الخبيثة بتقديم الحلول والعلاجات ومساعدة المتضررين، واتخاذ الإجراءات المناسبة لمنع تفشيها والحد من انتشارها، أقول إن لم يفعل كل هذا، فلن يكون مستقبلنا ومستقبل أطفالنا بخير.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

الإباحية
عرض التعليقات
تحميل المزيد