أن تختزل نفسك فتصير سرابًا، لا يحمِلُ منك إلا شظايا أو شذرات لا تُساوي إلا بعضًا منك.

 

أن تختزل مشاعِرك في وجهٍ أصفرٍ ذي ابتسامةٍ بلهاء، أصم أبكم مُثير للاشمئزاز أحيانًا.

 

وتختزل كل علاقاتك الحقيقية ببديل إلكتروني عقيم، وكأن التواصل الإلكتروني يُغنيك عن حياتك الحقيقية، صديقك الذي يوافق اليوم عيد مولده اكتفيت بالكتابةِ له على”wall” ، وذاك الذي تزوج، والآخر الذي حدث له شيء سعيد، وكذلك الآخر الذي تعرض لكبوةٍ ما أو حالةِ وفاة.

 

المكالمات الهاتفية “للاطمئنان فقط” تكاد تتعرض للانقراض، والمُقابلات، والزيارات، كل شيء تم اختزاله.

 

بعضُ العلاقاتِ تولد إلكترونيًّا منذُ البِداية وتستمرُ كذلك، وهذا أمر آخر، لكن ماذا عن علاقاتِك الواقعية التي قررت اختزالها لتصبح إلكترونية؟

 

كُنتُ أعتقد بدايةً أن مواقع التواصل تُزيد القُرب وتقلص الفوارق والمسافات، ربما حدث ذلك لكن بأثرٍ عكسي وسلبي على البعض؛ فتقلص التفاعل الحقيقي.

 

كيف جعلت مواقع التواصل الإلكتروني العلاقات أكثر هشاشة، أكثر ضعفًا وتفككًا، أكثر قابلية للانكسار، أكثر برودًا؟

 

كيف خلقت صورة أكثر تشوهًا للصداقة؟

تبدأ بـ friend Request لتنتهي بـ block ، حتى إن البعض اختزل مفهوم الصداقة في مجرد posts وتعليقات ليس أكثر.

صديقي الذي لم يوافقني في آرائي، أو اختلفنا لأي سبب كان، لا داعٍ للتفكير المُطول، الـblock يحل كل شيء.

 

وكيف يجعلك تختزل رؤيتك في الحكم على الآخرين من مجرد أشياء قرروا نشرها، ذاك الذي يضحك كثيرًا لا بد وأنه سعيد، والآخر الذي كتب شيئًا حزينًا بالتأكيد هو حزين، والآخر الذي استمع لأغنية رومانسية بالتأكيد يعيش قصة حب عالمية.

 

كيف سمحوا لأنفسهم بإطلاق أحكام من صورٍ ليس أكثر، من أجزاء، من بعضٍ البعض فقط؟ وانشغلوا ببعضهم البعض، ونسوا الانشغال بأنفسهم، نسوا أن من راقب الناس .. مات همًّا.

 

بل كيف سمحوا لأنفسهم بأن يحكموا من الأساس؟!

والأمر لم يتوقف عند ذلك، بل قلَّص المسافاتِ التي يجب أن تُراعى بين الآخرين، فأعطى الحق للبعض أن يُقحم نفسه في حياةِ الآخرين دون أي وجهِ حق، ودون أي معرفة مُسبقة أحيانًا.

 

الآن زادت الأمور سوءًا للأسف، مواقع التواصل صارت سبب خلافاتِ كثيرة أغلبها أقل من أن يصبح مشكلة، لكن إعطاءنا لبعض الأشياء أكبر من حجمها الحقيقي قد يؤول إلى ذاك الوضع المُزري.

 

مواقع التواصل كانت سببًا في عدد لا بأس بِه من مشاكل الطلاقِ، تخيل أن تنفصل عن شريك حياتك بسبب موقع تواصل وإن كان سببًا غير مُباشر.

 

الحياةُ ليست مواقع تواصل إلكتروني، تواصل كما تُحب، لكن لا تنسى أن تحيا الحياة الواقعية، أنت بذلك تختار أن تحيا إلكترونيًّا “افتراضيًّا” وتموت واقعيًّا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد