كتاب ربي ما أعظمك وما أروعك، يجد فيك طالب المنطق ما يرضي نهمه المعرفي، ويجد فيك طالب الجمال ما يرضي ذوقه الفني، ويجد فيك طالب الإحساس ما يشبع جوعه الروحي، ويجد فيك طالب الأخلاق ما يصحح سلوكه الإنساني، ويجد فيك طالب الفكر ما يغذي عقله العلمي، ويجد فيك طالب الحب ما يشبع عواطفه الإنسانية.

يجد فيك باحث التاريخ السنن الكونية، وطالب النفس الأحوال الانسانية، والمصلح الاجتماعي الأحكام العرفية والمجتمعية، إنه يخاطب عقلك، ويلامس قلبك، وينعش روحك، أفتضيق بك الدنيا وبين يديك هذا الكتاب العظيم؟ وكل قصص القرآن لم تنزل تسلية للنبي وأصحابه فقط، وإن كان هذا ضمن مقاصدها الكبيرة، ولكنها جاءت لتكون عبرة لأولى الألباب.

وقصة يوسف – عليه السلام- ليست قصة نمر عليها مرور العابرين، إنها تمثل نموذجًا فريدًا للشاب الذي نشأ في بيت النبوة، الشاب الذي حامت حوله الشهوات حتى ضاقت به ذرعًا، ولم يبق له سوى باب السماء، الشاب الذي يفيض جمالًا ويمتلئ شبابًا، أخبر في هذه القصة أصعب طريق قد يمر به أي شاب، وكأنه يخبرنا -سبحانه- ويقول: «أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهِ» فلنذهب معا إلى الزمن الغابر الجميل، إلى قصر العزيز عندما راودته امرأة العزيز عن نفسه، فمن هو يوسف؟

هو شاب كما قال تعالى«ولما بلغ أشده» شاب غير متوقع أن يتزوج في تلك الظروف غريب عن بلده وموطنه، غريب من الممكن أن يفعل في غياب عن عيون أهله ومعارفه عبد لسيدة امتلكتها الشهوات والعبد قد يقبل منه ما لا يقبل من الأحرار.

أما هي فالسيدة صاحبة المنصب، فما الذي حصل؟

قال سبحانه «وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا» إن عملية المراودة لم تكن مرة واحدة دعته فيها للفاحشة فامتنع وأبى، كان من الممكن أن يكون في وقتها قوي النفس، ثابت العزم، رابط الجأش، وإنما كانت مرحلة طويلة من الإغراء والإشارات، وعملية ممتدة من الإيحاءات والتقريب، ثم في لحظة معينة قالت «هيت لك» وقد كانت هذه المرة مكشوفة بلا أي إشارات بعيدة، واضحة بلا غموض، ها قد تهيأت لك، وانكشفت لك، وإن كنت تستحي فأنا أخبرك بها، وإن كنت تخشى الاقتراب ها أنا أهم بك.

وها هي امرأة العزيز تهيئ كل الأجواء، فلم يقل سبحانه أغلقت بل قال «وغلقت» ولم يقل «بابًا» بل «أبواب»، ويصدح هنا يوسف بصوت الحق قائلًا «معاذ الله» معاذ الله أن أقع في هذه الحمئة الدنيئة وهذا البركان الآثم، معاذ الله إنه ربي، يخبرها عن ربه العزيز إنه ربي الذي أحسن مثواي، إنه لا يفلح الظالمون، لا يفلح كل من خان وغدر لا يفلح كل من عض اليد التي امتدت لأحد بالعون.

أما هي فقد ركبتها الشهوة من رأسها حتى أخمص قدميها، أبرز القرآن هنا امرأة العزيز في صراعها مع شهواتها، الشهوة التي تعمي وتصم، التي تنسي الإنسان مركزه المرموق، ومكانته العالية في مجتمعه، فيغدو كالذئب الذي لا عقل له، لا هم له سوى الظفر بضحيته. وهنا يبرز القرآن لحظة الضعف في النفس البشرية، ولكنه لا يبررها كما نبررها اليوم، قال سبحانه حاكيا «ولقد همّت به» أما هو فهم بها لولا، لم يتجاوز همه سوى الميل النفسي لحظة، حتى رأي برهان ربه، وها هو القرآن يثبت النفس البشرية بكل ما لها من ميول وشهوات وأحاسيس ورغبات، ولكنه يضبطها بضابط العقل والدين.

فلو قال سبحانه ولم يهم بها لظن بعضهم أن يوسف لا شهوة له كباقي الشباب، بل يريد سبحانه أن يخبرنا أن يوسف شاب مثلنا له من الميل ما لنا، لم يلغ جانب الشهوات في الإنسان، ولم يبررها أيضًا؛ فقال سبحانه «كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ» وكأن الله يخبرنا ويقول: يا أيها الفتى المؤمن عندما تبلغ بك الشهوات مبلغها وتسد أمامك كل الطرق، وتخشى على نفسك الوقوع والانجراف، فليس لك سوى الاعتصام بحبله، والتمسك بكتابه؛ فهو ينجيك من الانجراف، ويحميك من الوقوع، ويثبتك عندما تسيل أمامك الفتن والأهواء.

أما هي فقد بلغ بها الانحطاط أن استبقت الباب، وهنا يبرز القرآن مرة أخرى صراع امرأة العزيز مع شهواتها وأهوائها، لتمزق قميصه من دبر في محاولة الظفر بالحبيب، ليجد العزيز أمامه ماثلًا، وهنا يذكر القرآن انحطاطًا جديدًا لامرأة تعيش لشهوتها فقالت: «مَا جَزَاءُ مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوءًا إِلا أَنْ يُسْجَنَ أَوْ عَذَابٌ أَلِيمٌ».

إنها امرأة تعشق وتخشى عليه الموت، لقد خافت أن يذهب منها عشيقها أو يقتل، فاستنكرت وأجابت بنفسها قائلة إما السجن أو عذاب أليم! طمعًا بها في أن تحظى بيوسف لاحقًا.

وينكشف الحق ويأبى الله إلا أن ينصر أولياءه ويظهر كذبها وخداعها، ولكن كعادة المجتمعات الراقية التي تهتم بالمظاهر على حساب الجواهر، أخفى العزيز الفضيحة، لا يهم هل وقعت عليك أم وقعت عليها، كل ذلك لا يهم، وهو غير ضروري، يوسف أعرض عن هذا، ولا تخبر أحدًا، أما أنت فاستغفري لذنبك، وانتهى كل شيء!

يا رباه كم تشبهنا مجتمعات يوسف، كم يشبهوننا في حرصنا على الصيت والسمعة والمظاهر والأشكال حتى على حساب المضامين، وينتشر الخبر رغم محاولات الباطل أن تخفي الحقيقة «وَقَالَ نِسْوَةٌ فِي الْمَدِينَةِ امْرَأَةُ الْعَزِيزِ تُرَاوِدُ فَتَاهَا عَنْ نَفْسِهِ قَدْ شَغَفَهَا حُبًّا إِنَّا لَنَرَاهَافِي ضَلالٍ مُبِينٍ» لقد استنكر هذا المجتمع الراقي أن تختار امرأة العزيز غلامها لتمارس معه الفاحشة أكثر من استنكارهم الفاحشة نفسها، مجتمع فارغ لاه غافل، لم تعد تهمه المعصية بقدر أهميته مع من تمارس المعصية، كمجتمعاتنا تمامًا لا يهم من زنا بقدر أهمية من يكون، هل هو ذكر أم أنثى، فإن كانت أنثى فإن لعنات الله عليها تتنزل تترى، أما لو كان شابًا فهي نزوة شباب وتمضي.

وكعادة المجتمعات الفارغة تسمع امرأة العزيز بمكرهن، وللمزيد من الانحطاط أخلاقي تدعوهن جميعًا إلى بيتها، لتتبجح أمامهم بشهواتها على غير حياء ولا خوف أو خجل، ويظهر هنا يوسف بكل جماله وفتنته أمام نساء المدينة، ويطل عليهن فجأة ليقلن جميعًا من غير اتفاق «مَا هَٰذَا بَشَرًا إِنْ هَٰذَا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ».

وهنا يبرز القرآن انحطاطًا أخلاقيًّا جديدًا قامت به امرأة أكلتها الشهوات لتقول «فَذَلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ» هو من استنكرتن ميلي إليه، هو من تكلمتن عني بسببه خلف ظهري، ألم أكن مصيبة حين راودته عن نفسه، وهنا تظهر في مظهر البريئة الماكرة، ألم يكن لدي الحق، لقد رأت بخبثها أنه لا بأس أن تجاهر بشهواتها، ككثير من شبابنا اليوم الذي يتبجح بشهوته أمام أصدقائه، ويخبرهم عن عدد الضحايا اللاتي وقعن في أسره بالصوت والصورة، وكأن الله يخبرنا أن هذا الانحطاط لم يكن وليد اليوم أو الأمس، بل إن دناءة الأخلاق موجودة في كل زمان ومكان، عند الجميع من الرجال والنساء.

وبعد هذا العرض من الإغراء تقدم امرأة العزيز عرضها قائلة «وَلَئِنْ لَمْ يَفْعَلْ مَا آمُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُونًا مِنَ الصَّاغِرِينَ».

لقد أظهرت أسلوب التبجح بالشهوات والتهديد في الوقت نفسه، وهذا المجتمع الفارغ الذي كان يلومها ويؤنبها لم يكن بالموافقة فقط على فعلتها، بل أصبح شريكًا لها في الإغراء، والدليل في الآية الكريمة إذ دعا يوسف ربه قائلًا: «رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ».

لم يقل تدعوني بل يدعونني، فلم تعد فتنة واحدة، بل بات المجتمع كله يراود هذا الفتى عن نفسه، أي ثبات هذا الذي يلقيه الله على قلب المؤمن، أي اعتصام يزرعه الله في قلوب من أحب من عباده، لقد بات المجتمع كله يدعوني ليراودني عن نفسي يا رب، وما أجملها هنا من وقفة لا يمكن المرور عليها مرور الكرام أمام السيول من الإغراءات والأنهار المتدفقة من الشهوات، أمام كل هذه الفتن والدعوات المجانية التي لا تحتاج سوى أن تقول «نعم» أمام كل هذا لم يكن أمام يوسف سوى أن يستعصم بالدعاء، عندما أدرك أنه أمام مفترقات، إما طريق امرأة العزيز، وإما طريق السجن، لم يكن هناك من خيار ثالث؛ فرفع يديه قائلًا: رب السجن، السجن بكل أوجاعه وأسقامه، أحب إلي مما يدعونني إليه، وهي دعوة للإنسان لكيلا يغتر بنفسه أولا ويدعي القوة وأنه العزيز الذي يصمد.

إن القرآن في سورة يوسف يشرح النفس البشرية تشريحًا، ويظهرها على حقيقتها بلا كذب أو ادعاء، إنه لم يرفع الإنسان فيجعله ملاكًا يزدري الشهوات ولا يلقي لها بالًا، ولم ينزل به إلى الأرض فيبرر له شهواته بحجة الضعف، إن القرآن يتعامل مع الإنسان كما هو، يتقبله بكل طبيعته الملائكية والحيوانية، ولم يطلب منه استئصالها، ولكنه أرشده إلى تهذيبها وتنقيتها، لقد أظهر يوسف بكل بشريته معترفًا بلحظة ضعفه قائلًا: «إِلا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجَاهِلِينَ» دعا ربه أن يعاونه وينصره فماذا كان الجواب، «فَاسْتَجَابَ لَهُ رَبُّهُ فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ ۚ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ» إنه يسمعك أيها الشاب يا من ابتليت بالشهوات، يا من طغت عليك الكربات، إنه يسمعك ويراك، لا يريد منك سوى الدعاء، أن تعترف بضعفك، وتتذلل بين يديه ليصرف عنك ما ألم بك من الكروب، وصرف عنه كيد النساء.

ثم بعد ذلك بدا للمجتمع الفارغ أن يسجنه حتى حين، وهنا أيضًا وقفة جميلة جدًّا، إن المجتمعات الفارغة التي غرقت في الشهوات، لهي قادرة على أن تسجن شابًا راوده المجتمع عن نفسه، لكنها عاجزة عن ردع امرأة امتلكتها الشهوات، وما أشبه تلك المجتمعات فينا، عندما نعالج الظاهرة بدلًا من معالجة المرض الذي أنتج هذه الظاهرة، وكأن القرآن يرشدنا ويقول: عندما يصيب المجتمع مرض ما ويستشري فإن الواجب هو استئصال المرض بدل التلهي بالعوارض التي تنشأ عنه.

وإلى هنا تنتهي قصة يوسف النبي الشاب، وأما باقي التفاصيل فكل من قرأ سورة يوسف يعلمها. هذا يوسف فمن هو الشاب الآخر؟ هذا الشاب هو أنا وأنت، هو كل شاب أغرقته الشهوات وأكلته المعاصي والإغراءات، قصة يوسف رسالة لكل شاب ما زال تائهًا يضحك على نفسه بأن لا علاقة له بكل ما حصل، وأن الشهوات حوله كثيرة، ويردد الحجة المعروفة أنه غير قادر على الزواج، عاجز عن نفقاته، غير مستطيع عليها، إليك يوسف أيها الشاب، يا صديقي ويا صديقتي، يا أخي ويا أختي، هما طريقان إما طريق يوسف، وإما طريق امرأة العزيز، فأيهما تختار؟ يا من أهلكتهم المعاصي، ويا من رأى كل المجتمع حوله يضج بالمنكرات والآثام، استعصموا كما استعصم يوسف، وتمسكوا بحبل الله المتين، واثبتوا على أخلاقكم، ولا تقولوا لا نستطيع، المغريات كثيرة، الأمر لا يحتاج سوى استعصام أولًا وتوكل على الله ثانيًا، ألم يخبرنا النبي -عليه الصلاة والسلام- أن الله يعجب للشاب ليس له صبوة، أي ليس له ميل إلى الحرام، وما أجملها أن ينظر الله لك نظر العجب، فيرى في قلبك أنك لا تريد سواه، وإن حدث ومال قلبك فاستعصم به فهو المعين.

وتذكر قول النبي – عليه الصلاة والسلام- حين أخبر عن السبعة الذين يظلهم في عرشه فقال من ضمنهم «وشاب نشأ في عبادة الله» لماذا الشباب؛ لأن الشباب هم وقود الأمة، هم روحها التي تسري في جسدها، وإذا اعتاد الشباب ركوب الشهوات، لم يبق له من هم سوى البحث عن أولى وثانية وثالثة كالطفل، وذهب عمره هدرًا فيما لا يفيد ولا ينفع، فما أجملها أن يقربك الله يوم القيامة ليظلك تحت عرشه، ليس عرش ملك أو رئيس، بل هو عرش ملك الملوك، أي تقريب هذا التقريب، وأي كرم ورفعة وجمال، أن يظلك ملك الملوك. وأختم حديثي بمقولة قالها ابن الجوزي، وما أجمله من قول: «إن مرارة الطاعة تذهب ويبقى ثوابها، وإن لذة المعاصي تذهب ويبقى عقابها»، نسأل الله أن يثبتنا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة، إنه ولي ذلك والقادر عليه.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

أدب, شباب, مجتمع
عرض التعليقات
تحميل المزيد