علمنا التاريخ أنه من أراد الله أن يُكرمه أطال ذكره على ألسنة الناس حتى بعد موته، ولو أراد أن يكرمه ويزيد على ذلك فيُطيب ذكراه، فيستسيغها حتى من لم يعرف به أو لم يلتق به يومًا. ومن أبلغ الأمثلة على ذلك سيرة الإمام أحمد بن حنبل حيث طيب الله ذكره بعد موته بمئات السنين، وحتى الآن يسعنا نحن العوام الآن وبعد مئات السنين أن نذكره حتى وإن لم نعرفه يومًا ولم نلتق به أو حتى سمعنا إحدى خطبه، ولكن بعضنا يذكر مواقفه وجلنا إن لم يكن الجميع من العارفين به نعتبره مصدرًا للثبات والصمود، فما رأيت أحدهم يريد أن يقنعك بأمر ما وقد استصعبته فعاد يقول لك: «يا أخي.. متبقاش حنبلي»، أي لا تكن صلبًا وتتدقق في الأمور هكذا، أو لا تتشبث برأيك إلى هذا الحد، وهذا نسبة للإمام حنبل.

الإمام حنبل كان من أئمة السلف والسنة الذين اعترضوا على آراء فرق المعتزلة، والذين تخفوا في عصر هارون الرشيد خوفًا من بطشه، إذ كانت لهم آراء غير مقبولة من قبل علماء السنة فكانوا يدعون أن القرآن ليس كلام الله بل خلقه الله، وكانوا يجيزون الخروج على الخليفة في حال ظلمه، ولا يصدقون في شفاعة النبي صلى الله عليه وسلم لأصحاب الكبائر، ولا يعتقدون في رؤية الله لا في الدنيا ولا في الآخرة. التفت فرقة المعتزلة بآرائهم التي تحيد وتتفلسف عن الحق حول الخليفة المأمون، والذي أمر بإحضار الإمام حنبل إليه في بغداد ليعاقبه لاعتراضه على آراء تلك الفرقة التي حادت عن الحق، وما كان من الإمام السني إلا أن دعا الله ألا يريه وجه الخليفة الذي أقسم أن يقطعه إربًا إن رآه، واستجاب الله دعاءه ومات الخليفة قبل أن يصل الإمام إلى بغداد، وما لبث أن حمد الله أن استجاب دعاءه حتى تولى الخليفة المعتصم الخلافة وأمر بإحضاره إليه ليناظره أئمة المعتزلة ثلاثة أيام، وبالرغم من أن الإمام أفحمهم إلا أن الخليفة حبسه وعذبه وأمر بضربه بالسياط. ضعف جسد الإمام من شدة الضرب وما حرك ساكنًا حتى ظنوه مات فحملوه وألبسوه الثياب وأعادوه لبيته، وأرسل الخليفة من يتابع حالته الصحية حتى تحسن، ولما استرد عافيته خلع الثياب التي أهداه لها الخليفة المعتصم وباعها وتصدق بثمنها، وندم الخليفة على ما فعل بالإمام حنبل وصلح. ولكن بعدها تولى ابنه الواثق الخلافة وظلم الناس واستبد بأهل السنة وعظم البلاء والكرب، وبعث للإمام أحمد يحذره من التجمع بالناس وإلقاء الخطب، وأمره أن يذهب حيث شاء من الأرض وأن يرحل.

واختفى الإمام أحمد عن أعين الناس ولم يكن يخرج حتى إلى الصلاة، حتى تولى الخليفة المتوكل الخلافة وكان عادلًا سنيًّا فأحسن إليه حتى رفع بعض أهل الوشاية والأهواء إلى الخليفة كذبًا أن الإمام أحمد بن حنبل يخفي رجلًا علويًّا في بيته؛ فبعث الخليفة برجاله يفتشون بيت الإمام حنبل، ولما تحققوا من كذب هذا الادعاء أرسل إليه الخليفة المال تكريمًا له؛ فقبل الإمام المال خيفة من بطش الخليفة، ووزع المال على الفقراء وتصدق به كله حتى كيس الذي وضعوا به المال تصدق به، وأكرمه الخليفة لما علم بمرضه الشديد فكان يبعث إليه بالموائد والمال، والتي لم يقبل منها الإمام شيئًا ولم يلتفت إليها. انبهرت أم الخليفة المتوكل بعزة نفس الإمام وورعه، فلما رأته أوصت ابنها أن يتق الله به وقالت: «الله الله في هذا الرجل يا بني، فليس هذا ممن يريد ما عندك».

ورع الإمام حنبل وموقفه الثابت مثل يحتذي به الصالحون من الأئمة الذين لم يرهبهم سلطان السلاطين، ولا جبروت الحكام، والذين هم قلائل في هذه الأيام الصعبة، مثل الإمام القرضاوي إمامنا الثائر رئيس الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين، والذي قيل عنه على لسان د. محمد الصغير مستشار وزير الأوقاف الأسبق: «في بداية التحاقي باﻷزهر الشريف وكنا نسكن في المدينة الجامعية بالقاهرة، وعامة الطلاب يومئذ ممن يحسبهم الجاهل أغنياء من التعفف، ولكن لفت نظري مجموعة من زملائي على غير المعروف وﻻ المألوف؛ تظهر عليهم شبهة غنى أو أثارة من ثراء، فسألت عنهم فكانت اﻹجابة هؤﻻء أبناء القرضاوي. قلت كيف أبناؤه وهم كثر؟ فقالوا هؤﻻء من راسلوا الشيخ وعلم بحاجتهم فتكفلهم، وقال لي أحدهم إن موﻻنا اﻹمام يرسل له 200 جنيه شهريًّا، وكانت نفقات الإقامة والإعاشة كاملة بالمدينة الجامعية وقتئذ أقل من 40 جنيهًا».

وفي رسالته لابنته علا القرضاوي بعد اعتقالها وزوجها المهندس حسام خلف دون أدنى تهمه قال الإمام: «وأبوك يا ابنتي، قد سار بين الناس طول عمره بالدين، وتعليم الدين، فقيهًا ومفتيًا، وداعيًا ومعلمًا، وشاعرًا وكاتبًا، ما خان أمته، ولا أضاع رسالتها، ولا كذب عليها في حياته منذ عرفه الناس إلى أن جاوز التسعين. زار القارات كلها، وزار البلاد المهمة، ولم يتخلف عن قضية للأمة، ولم يتكاسل عن واجب للمسلمين، وإذا كان هذا لم يعجبهم، لأنهم لا يهمهم أمر الإسلام، ولا أمته، ولا حضارتها، ولا دينها وثقافتها، فما ذنبك أنت؟ لماذا يعاقبونك أنت؟ أو لماذا يعاقبون أباك في صورتك؟» وما نذكره للشيخ الفاضل هو موقفه من رفض الظلم والقتل، والناس مواقف، يخلد ذكرهم التاريخ إن أحسنوا وثبتوا ويعطر الله ذكراهم إن استمسكوا واعتصموا، ولا ذكرى لمن ظلم ولا عزاء لمن تجبر. المستمسكون فقط هم من ينعم الله عليهم بطيب الذكرى أبد الدهر، إمامنا القرضاوي حنبل هذا الزمان!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد