«لم يكن من المرغوب فيه أن يكون لدى عامة الشعب وعي سياسي قوي، فكل ما هو مطلوب منهم وطنية بدائية يمكن اللجوء إليها حين يستلزم الأمر، إقناعهم بقبول عدد ساعات عمل أطول أو حصص تموينية أقل بل حتى حين ينتابهم شعور بالسخط كما يحدث أحيانًا فإن سخطهم لم يكن ليفضي لأي شيء، كونهم يعيشون بلا مبادئ».

جورج أورويل – رواية 1984

نُشرت هذه الرواية في عام 1949 أي قبل حدوث ثورة- انقلاب- 1952 الذي قام به الضباط الأحرار بإخراج المصريين من نار ظلم وقهر الأجانب لهم إلى نار ظلم وقهر بعضهم بعضًا، لا أعتقد أن جمال عبد الناصر قرأ هذه الرواية التي تحكي عن عالم مستقبلي يتحكم فيه الأخ الكبير في كل شيء؛ فيستطيع محو ماضيك وتغيير حاضرك وتزييف مستقبلك، يتحكم في كل شيء، في أحلامك، في أفكارك، في حديثك لنفسك، في خيالاتك الجنسية حتى ويحاكمك عليها، عالم مليء بالقمع والسيطرة، ومع ذلك لا يفلح كل هذا؛ فلم يفلح القمع والكبت على مدار التاريخ البشري كله، فيشذ قليلاً عن القاعدة بطل الرواية، وما يتم ذلك حتى أعادوه مرة أخرى إلى حظيرتهم، فلا يستطيع أن يقاوم، وتنتهي الرواية وهو وحيد قابع في مقهى فقير يردد جملة واحدة: «لا بأس فقد انتهت أيام النضال وانتصرت على نفسي وصرت أحب الأخ الكبير».

لا شك أن جمال عبد الناصر حاول جاهدًا طوال فترة حكمه أن يحقق نبوءة أورويل، واستطاع التحكم في كثير من عامة الشعب وخاصتهم وحتى من لم يعايشه، بكاريزمته وحضوره الطاغي وخطبه العصماء وتصويره لنفسه بأنه نوح منقذهم من الطوفان مهلكهم- قاذفهم في شلال لا قرار له- ربما يكون هذا السبب، فلا أحد إلا جاحد ينكر تأثيره في تاريخ مصر، فله بصمات وله كفوف نزلت على قفا كل من حاول أن يشذ عن القاعدة، كبطل رواية أورويل، أو يفكر خارج الصندوق قليلاً، عندما كان التفكير داخل الصندوق أمرًا مثيرًا وغير مبتذل، حتى تعيده كفوف المخبرين إلى داخل الصندوق أو الطريق المستقيم، جاعلة إياه يبدي الندم ويقبل القدم- وإذا أمكن غيرها يقبل- ويعود إلى طريق الحق والصواب، ولن يحاول التفكير مرة أخرى وسوف ينتصر على نفسه ويحب الأخ الكبير أو الزعيم جمال عبد الناصر أيهما أقرب، ولكن ليس هذا بيت القصيد، وإنما ما هو سر عشق العامة للتراب الذي خطا عليه الزعيم يومًا، هذا أمر غير مبرر؛ فلن تستطيع تفسير عشق كثير من الجماهير له أو الرئيس الأسبق أو حتى الجنرال الحالي، رغم عدم وجود أي مؤشرات توحي بتغير الأمر – سوى إلى الأسوأ- ولكن يقطع الناس أي أصابع تحاول توجيه اللوم- أو الاعتراض حتي- فالزعيم عظيم، ولكنه فقط محاط بحفنة من الأوغاد، هذا نفسه ما كان يقوله سكان حارة الحرافيش لفتوتهم، ربما من المنطق نفسه أنه هو الفتوة حامي الحارة من فتوات الحارات الأخرى؛ فيقوم بالضرب والسب والسلب والنهب؛ لأن «الفتوة اللي نعرفه أحسن من اللي ما نعرفوش»، ربما هكذا يفكر سواد الناس، ولكن ما الذي يجعل مفكرين ومثقفين لم يستطيعوا الهروب من براثن كاريزمته والوقوع في شباك حبه لدرجة تجعلهم يتعاموا عن رؤية سوداوية المشهد من هزائم جيوش وخسارة أراضي، إلى القمع وكبت الحريات، إلى تفشي الجهل، ربما تكون الإجابة بأن مرآة الحب عمياء، وربما «الفتوة اللي نعرفه أحسن من اللي ما نعرفوش» فلا فرق أصلاً بين العامة والنخبة سوى الادعاء، ربما يكون حبًا نفعيًا للوصول إلى شيء معين، ولكن بالفعل هناك الكثير خسروا حياتهم وأموالهم وكل ما امتلكوه يومًا ولم يخسروا حب الزعيم، هل فعلاً حب الزعيم لا يستطيع المرء أن يشفى منه كحب الوطن؟ لماذا استمر الناس في تقديم السبت وهم لا يتلقون أي آحاد؟ لا مبرر هنا ولا تفسير سوى بالرجوع إلى أحد الناجين من غرق سفينتهم في محيط عشق الزعيم ووجه لنفسه سؤال ماذا لو لم يكن الزعيم إلهًا وكان بشرًا مثلنا يتذكر وينسى يخطئ ويصيب ويسأل ويجيب، ماذا لو كان الزعيم الذي عشقته وجلست أسفل قدمه أتحسسها كي أتلمس البركة شخصًا عاديًا وليس إلهًا أو على أقل تقدير من أوليائه الصالحين؟ شيء مخيف، ولكنه يحتاج شجاعة وتمرد وذكاء.

يوسف شاهين أحد أعظم المخرجين السينمائيين الذي كان ناصري الهوى كمعظم أبناء جيله الذين رأوا فيه الزعيم الملهم فتوة الحارة الذي كل من هب ودب من فتوات الحارات الثانية قام بالفتك به وإسقاط عصاه وتحطيم عظامه، ولكنه استمر في البطش بأبناء حارته بحرافيشه، فقدم يوسف شاهين فيلم كفيلم فجر يوم جديد، وبعيدًا عن فيللينة هذ الفيلم؛ فقد كان هذا تسم أحد المشاريع التي تمت في عهد عبد الناصر، وفيلم آخر عن السد العالي، واستمر في تقديم السبت فلم يلق إلا التعسف الرقابي ضده، والتدخل فيما لا يفقهونه من حرافيش الفتوة وهلم جرا، فانتصرت طبيعته المتمردة على قلبه وعواطفه وحزم حقائبه وساقه تمرده إلى بيروت ببيت الرحبانية؛ فأخرج فيلمًا لفيروز وعددًا من الأوبريتات، وحسب وصفه «مكنتش بشتغل بمزاج، أنا بحب اللبنانيين وليا نسب ليهم بس معرفهومش زي المصريين»، ولم يكن سعيدًا، ومع ذلك لم ينقص حبه مثقال ذرة للزعيم، وفعل كما يفعل الأطفال بأن يزوم بفمه ويربع يديه بانتظار أبيه أن يصالحه ويعود للهو معه، واستمر حتى عفا عنه الأخ الكبير وأرسل في استدعائه؛ فعاد الابن الضال إلى مصر، وكأن شيئًا لم يكن، وقام بإخراج فيلم «الناصر صلاح الدين»، وبعيدًا عن سرد السيرة الذاتية لشاهين التي لا تنضب، نعود إلى إجابة السؤال الذي سيجيبه جو في أحد أعظم أفلامه «إسكندرية كمان وكمان» ضمن أفلام التطهر التي تقص سيرته الذاتية ذات النزعة الفيللينية أيضًا، والتي بدأها من فيلم «إسكندرية كمان وكمان» تجد الإجابة في أوبريت «اهتفوا باسم الإله».

هذا الأوبريت يمكن أن تنظر له على أنه علاقته بابنه الضال محسن محيي الدين، الذي تقوم فكرة الفيلم أساسًا عن مدى تأثر شاهين بترك محسن العمل معه بعد فيلم اليوم السادس، وفي أجمل حوارات الفيلم وتمثيل شاهين العبقري الذي يوضح مدى تأثره بترك محسن له مع يسرا وهدى سلطان قال «عشر سنين بعك وألمع أكبر موهبة أنا عرفتها في حياتي، زي الجنايني، زرعت ورويت، واللي يزرع يحصد! خد علم وتربية، وحب، وانتماء، بولا حاجة».

ولكن بالتدقيق في الكلمات والصورة تجده يصف علاقته بجمال عبد الناصر أيضًا؛ فزي الأمن المركزي والنظارة الشمسية المميزة لضباط جهاز الداخلية، وإعدام أحدهم بجانب يوسف شاهين واضحة ولا لبس فيها وتفاهة ووضاعة الملك عمرو عبد الجليل، فلا داعي لتقديسه من الأساس؛ فهو تافه ويمضغ اللبان ورفيع وقصير وفي حالة يرثى لها.

وعند استعراض بعض المقاطع من الأوبريت:

«طب خدوا عيني وشوفوه بيها راح تلاقيه جواك جميل».

فيجيب أحدهم «شبر ونص عاملي إله، انبهاره بيه عماه».

فيسأله أحدهم: «طب إيه دليلك؟».

فيجيب شاهين: «هو الإله محتاج دليل»!

فيتذمر أحدهم: «مش ده الحق يا عدل يا هوه هو إله بالعافية جابوه؟».

فيقول وزيره: «الإله سلطانه ظاهر».

فيجيبه أحد عامة الشعب: «ولا قاهر؟» فيفيقه من غفلته خنجر في منتصف ظهر، فيتراجع ويقول: «حد ينكر معجزاته وإنجازاته ورقاصينه ورقصاته؟ ده حكيم حتى في كلامه».

فيعود شاهين: «طب خدوا عيني شوفوه بيها هتلاقيه جواك جميل».

فيقول أحد الفلاحين حول الساقية «ده إله طيب حنون، قله ينظر للغلابة».

فيسخر منه وزيره أو صلاح نصره :«غلابة!» فيقوم الحرافيش بقتله.

وحينما يثور الشعب ضده: «بالمية وبالنار هنموت الصرصار».

فيغضب وزيره ويأمر حرافيشه بأن يدخلوا ويحضرهم، وتقوم الاشتباكات فيجلس شاهين وبجانبه أقدام شخص معدوم ويقول:

«لو صحيح ده مش إله كنت أول عين تشوف عيوبه إنه أعرج إنه أكرت إنه أهبل إنه داعر إنه معدوم المشاعر، لو مكانش إله وشمسه وضيها مليون نهار أبقى أنا المخبول أبقى أعمى.. أبقى أخطأت المسار، بالعربي اترقعت مسمار».

وكم من مسامير رقعها عبد الناصر- وغيره من الزعماء الوهميين- لمحبيه ولكارهيه أيضًا، الزعيم الذي توافرت له كل سبل النجاح، حب الناس، وهذا أول وآخر شيء، وفشل وخذل الجميع وخذل نفسه، العامة يقدسون آلهة من عجوة صنعوها بأنفسهم، ولا يستطيعون هدمها، فيستمرون في تقديسهم وتشرب أفكارهم حتى النخاع والتي ماهي إلا محض هراء.

والسؤال الذي يجب طرحه لكل شخص يرى في زعيم أملاً رغم أن اليأس يحاوطه من كل جانب، ينصبونه إلهًا يتبركون به ويسجدون له «هل هو قديس أم كنتم بحاجة إلى قديس؟»، فأنت تحضر العفريت وتدعو الله أن يصرفه، وما عليك سوى أن تدعك المصباح وينتهي الأمر، فلا تجعل عواطفك تقودك حتى الهاوية وتسأل كيف وصلت إلى هنا، فلا يمكن للزعيم أن يخطئ، الزعيم الذي أحببته وآمنت به وسبحت بحمده وأفنيت عمرك تخون وتهدد من تسول له نفسه بانتقاده، الزعيم هو من أوقعك في الهاوية وربما هو الهاوية ذات نفسها.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد