يقال أن الشعب المصري يعشق صنع الآلهة. الجديد اليوم أن القارئ المصري أصبح كذلك! لا أود أن أكون قاسياً، لكن “إنما للصبر حدودًا”.

لقد نصبه الكثير من الناس _رسمياً_ إلهًا، و الإله لا يحاسب و لا يسأل عن أفعاله، لذا سيتهمني نفس الناس في ما سأقول بالكفر، أنا حقاً لا أكترث، فأنا لا أعرف غير إله واحد بالتأكيد ليس هو، ما هو إلا صنم كبير سيلقى حتفه بمرور الزمن ليتركه الناس و يعبدوا غيره، أو على أقل تقدير سينسى لو دخل في قلبهم الإيمان.

قرأت له العديد من أعماله و تعجبت ليس مما وصل إليه، كلا، فأنا أعلم أن النجاح لا يعتمد كلياً على الجودة كما تعتمد نسبة كبيرة منه على الرزق و النصيب! كل ما جعلني أتعجب إلى حد الجنون هو عدم ادعاءه بالعبقرية أو معرفة بواطن الأمور فقط، لا، أصبح هذا أمراً معتاداً في الوسط الثقافي و جميع الأوساط الفنية و غيرها عامةً، لكن الوصول للتأليه كانت مرحلة جديدة من جنون العظمة لم نتعامل معها من قبل، أعود لأقول: الفرق ليس كبيرًا، في النهاية كلهم فاشلون.

بدأت له بالنبطي فبدأت أشكل فكرتي عنه بأنه “يأخذ في تمجيده أكثر مما يستحق” لكن لم تمثل هذه الفكرة أي مشاكل لي معه و لم تشكل عائقاً أمامي للاستمرار في قراءة باقي أعماله، لما تمعنت في قراءة كل من (محال) و(جوانتنامو) لم أجد سوى أسلوب ساذج في عرض الفكرة كما لو كان يسرد قصة أطفال، والمفترض أن ينبهر الجميع بعدها، و الغريب أن هذا ما حدث!

 

الأغرب أن هنالك نية لإكمال هذه المهزلة عن طريق جعلها ثلاثية، و هنا يأتي على بالي الإله أحمس لسبب مجهول.

لكي أكون محقاً فقد أبدع في (عزازيل)، ولكن هذا لا يعطيه الحق في أن يتنصب علينا إلهاً، فلو كانت هكذا لكان لنصرالله إبراهيم أو بهاء طاهر مثلاً الحق في خلق الآلهة، و هي مرحلة غير موجودة افترضت أنها أعلى من الإله ذات نفسه، أو بطريقة أخرى: كان من حقهم يضربوننا بالنار. أتذكر في مرة حكى لي صديق أنه كان في تجمع صغير و قال: “د.أحمد خالد توفيق كان محقاً لما قال أن عزازيل هي رواية الإله اللعنة، فهو لم يكتب غيرها”. لترد عليه صديقته: “عزازيل هي روايته اللعنة حقاً، لأنه لم يكتبها أصلاً”. أبحث في هذا الموضوع فتظهر حقائق كثيرة تدل على مصداقية كلام الفتاة، أنتهي من البحث ولا أهتم.

يظهر بوضوح على الفيس بوك ما يسمى بـ”خطرفة الإله”، فتارة يدعي الديمقراطية و الانفتاح و تارة يحظر معارضيه في الرأي حتى لو كان باحترام خالص، مرة يهاجم الشباب، الثوار منهم بالتحديد، بشكل غير مباشر و مرة ينادي بحرية ماهينور المصري! أحياناً يسخر من جهل الناس و أحياناً يذم السخرية مدعياً أن من نسخر منهم لم يختاروا ما هم فيه بمحض إرادتهم.. المزيد المزيد من “الهرتلة”!!

كل هذا مقبول، فالهذيان مباح للجميع، و لا أريد أن يعتبرني أحد من أعداء النجاح، و ليكن، ليُقل ما يقال طالما أني أقول ما آراه.. لم أقرر أن أكتب هذا المقال إلا حينما تكونت مشكلتي الحقيقية معه، و مشكلتي كانت أنه صدق كونه إلهًا أي “صدق نفسه” فعلياً، فقد ادعى مؤخراً بأن مذبحتي صبرا وشاتيلا قام بهما العرب وأن الصهاينة منها براء!

السؤال هنا لماذا؟ لماذا تفعل كل هذا؟ هل أصبحت الشهرة و إثارة الجدل حولك لإلقاء الأضواء على سيادتك أهم من فلسطين و الفلسطينيين؟ بسهولة اتهمت من عاشوا و ماتوا في بؤس بالخيانة لتزداد رفاهيتك الفانية؟ إنها لمأساة حين يخرج هذا الكلام منك، فأنت إله عظيم، كما سمعت، و كنت أظنك أفضل من ذلك، السهولة التي أعلن بها هذا الكلام تتناسب طردياً مع شجاعة الفلسطينيين الذين لم يؤلهوا فيه أشخاصًا مثلك!

ولو خيرتني بين السهولة و الشجاعة، و هما ليسا بصفتين متضادتين، لاخترت، بافتراض التضاد، أن أعيش بصعوبة أو أموت شجاعاً على أن أعيش سهلاً متناقضاً أغني لكل من لم أستطع أن أكون عليهم إلهاً نفس الجبان.

حاولت أن أضع نفسي مكانه لمدة ليست بقصيرة حتى أفهمه فخرجت منه بخاتمة روايته الأخيرة، وكانت الرواية عنه هو، و ها أنا أرجعها إليه:

“أنا.. من أنا؟.. أنا الإله الذي اختاروه ليعبدوه بعد أن تاهوا بين زحام الآلهة في خيالاتهم، أنا الإله المؤيد منهم لفعل كل شيء و أي شيء أريده مقابل أن يتلذذوا بعبادتي، هم يعشقون العبودية وقد أتى دوري لأكون إلههم، أرادوا أن يجدوا إلهاً جديداً بعد أن مات الآلهة الذين سبقوني في قبور أفكارهم. هم يشغلون أنفسهم بعبادة ربهم _الذي هو أنا_ بنفس المقدار تعاطيهم للمخدرات، أنا الإله الذي قرروا أن يتعاطوه مع المخدرات ليهدئوا من روعهم قليلاً.. تعاطوا المخدرات لكي ينسوا مآسي حياتهم، ونصبوني إلهاً لكي ينسوا إله الآلهة و رب الأرباب الذي لم ينسهم يوماً.

حاولت كثيراً أن أتنازل عن هذا المنصب و لكن في البداية كنت خائفاً من اللعنة و السخط، أما بعد أن توليته و مضيت فيه وقتاً، رأيت مميزاته و نعيمه فأيقنت أنني لن أعرف كيفية تركه أبداً.. حتى إن خرجت عليهم لأخبرهم بالحقيقة فماذا سيحدث؟ سيختارون إلهاً آخر مثل ما اختاروني و مثل ما سيفعلون بعد موتي. إن عقيدتهم في العبودية لا تتغير، ثابتة، إلى النهاية. حتى هؤلاء غير السعداء بتنصيبي إلهاً فهم لا يفرقون عن غيرهم بشيء، أولئك رفضوني ليس لتمسكهم بالحقيقة الواحدة بل لتمسكهم بإله آخر من نفس الكوكب!

ربما سيأخذون ذنوباً لا حصر لها بسبب عبادتي مما يجعلهم ضامنين دخول النار رغم كل ما فعلوه من طاعة و عبادة!ً مع ذلك أعي جيداً أنني سأدخل الجنة. فأنا لم آمرهم يوماً بأن يعبدوني و ما أجبرتهم على ذلك قط. أود أن أشكر أول شخص فكر في فكرة عبادة إله من الأرض، من نفس كوكبه و خلقته، حقاً أنا مدين لكم بالكثير. الآن سأعيش ليعبدوني، و غَداً سأموت لأحظى بالجنة، يا لي من محظوظ! شكراً يا مغفلين!”.

في نهاية المقال أود أن أقول عزيزي القارئ بأن لك حرية الحكم على هذه الخاتمة، فإن وجدتها سيئة عبثية خزعبلية متكبرة فقد أثبت نظريتي في الإله الذي تكلمت عنه و وضعت نفسي مكانه و أنا أكتب خاتمته أثناء عده التنازلي. أما لو وجدتها جيدة ممتعة عظيمة رائعة فتذكر أيضاً أن من كتبها هو أنا و بذلك أكون قد حجزت دوري في طابور الآلهة لتعبدني يوماً في الحياة و أدخل الجنة بعدها في الآخرة، هناك حيث لا يوجد إلا إله واحد.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد