ولادة سهلة في يوم عرفات المبارك في المملكة العربية السعودية هكذا كانت أمي تخبرني بين حين وآخر عن أيامي الأولى في تلك الحياة مجيبة عن سؤالي المتكرر عن أيامي الأولى في الحياة وغيرها من الحكايات التي تعني لي الكثير كما هو الحال عند أي إنسان، الآن كبر هذا الولد لأكتب هذا المقال الذي سيقرؤه من هم في مثل سني بل وربما من ولدوا معي في نفس اليوم وربما في نفس الساعة، إنها الحياة التي تستمر ولا تستقر ولا تدوم لأحد!

كبر هذا الطفل وكبرت معه المثاليات وكالعادة لا بد أن يتركها كما ترك الحوت سيدنا موسى كعلامة لا لبس فيها أن معترك الحياة الواقعية قد بدأ، موسى كان على لقاء عظيم، والجيل كان على لقاء عظيم ليجيب على أسئلة حائرة، فأراد أن يجتهد ليقدم إجابات واضحة وكاملة، ولكن الإجابة لم تكتمل لم تكن كاملة، فالإجابات غير المكتملة يكملها الزمن، ولعب الزمن دوره مع الإجابات غير المكتملة، فالزمن لا يحابي أحدًا!

جيلي هو جيل التسعينيات الذي استقبل في سنواته الأولى من عمره زلزال 92 حيث بلغت قوة الزلزال آنذاك 5.8 درجة على مقياس ريختر، أو هكذا أراد القدر أن يستقبله بتلك الطريقة المزعجة جدًا، وكأن الأرض تنذر قاطنيها أن نفوسًا حرة قد ولدت عازمة على إنبات الخير في الأرض، فاهتزت الأرض وربت لتستقبل البذرة البِكر من هذا الجيل!

جيل التسعينيات هو جيل الوسط الذي جمع بين ما قبل التكنولوجيا والإنترنت، الجيل الذي نبت عنده مبكرًا حس السخرية ممن أصغر منا سنًا عندما يتكلمون عن أمانيهم الكبيرة، والتي أثبتت تجربتنا أن تحقيقها يكاد يكون مستحيلًا، جيل يستخدم الجمل التي تمجد جيله وتقرنه بالأجيال الأصغر منه، مثلما كان يفعل آباؤنا وأمهاتنا وأساتذتنا مثل (إحنا آخر الأجيال المحترمة، ألا ليت الزمان يعود يومًا، أنا لما كنت في سنك)!

 جيل الوسط في كل شيء، جيل أتى بين نهاية قرن وبداية قرن شهد منذ ولادته حروبًا وكوارث وزلازل، جيل لا يكسب أرضًا جديدة بل يخسر أرضًا كل يوم، جيل تعلم الكثير في وقت قليل، جيل رفض وما زال يرفض الاستبداد بالثورة تارة والسخرية تارة وبتجاهل الأحداث تارة، الأحداث أفرزت هذا الجيل وأوضحت من يصلح ومن لا يصلح من هذا الجيل مبكرًا جدًا!

مشكلة جيلنا الحقيقية هي أنانية الجيل السابق له، الأنانية التي لم تضف كثيرًا إلى الوطن أو إلى المجتمع، أنانية منعت ظهور قامات لهم صفات خاصة أهمها احتواء الأجيال القادمة، فكيف كان سيأتي أنيس منصور إن لم يكن هناك قامة مثل العقاد توجهه وترشده، وكيف كان سيعرف الناس بأدب توفيق الحكيم إذا لم يقدمه قامة بحجم طه حسين اختصرت له الكثير، وغيرهم الكثير في مجالات الحياة المختلفة الأدبية والعلمية والفنية والصناعية، قامات تأخذ بيد الجيل القادم، فمهمة القامات هي تعليم وتثقيف وتقديم هذا الجيل للناس، وبذلك يتم ضبط بوصلة الجيل الجديد لتوجيه طاقاته للطريق الصحيح بدلًا من هدرها في تخطي (العقبات الصناعية) التي وضعتها الأجيال السابقة، جيلنا للأسف لا يعاني من أنانية الجيل السابق فحسب، ولكن تراكم الأنانية عند (الأقزام) في كل المجالات، أقزام في كل مكان لديهم أنانية مفرطة، إذن المشكلة أصبحت مشكلتين، قزم أناني يلعب دور البطولة المطلقة، أما من كان يفترض لهم أن يكونوا (قامات) انتهى بهم الأمر إلى أسوأ الحال، يشار إليهم بالبنان كـ(عِبرة) وليس كتكريم لهم، وأصبح لدينا أقزام أنانيون لا يسعون إلا وراء لقمة العيش، واعتبار أي شيء في الوجود مجرد لقمة عيش يجب الحصول عليها، فأصبح هناك الطبيب والأديب والمهندس الذين لا يعرفون سوى مصطلح لقمة العيش، مشكلة بل معضلة تواجه جيلنا!

تطويع هذا الجيل مستمر بإغراقه في الحياة اليومية ولفها كحبل يخنق رقبته تمنعه من التنفس ولكن هيهات، حيث تبقى مجاراة الحياة الواقعية هي سمة أغلبية هذا الجيل، جيل مات منه الكثير ليس في الحروب ولكن على أسفلت بلده، جيل يبحث عن إجابات للموروثات الأزلية التي تحكم المجتمع، جيل سيكون هو الآباء والأمهات في الحاضر والمستقبل القريب الذين ستسمع كلماتهم في البيوت وفي المدارس والجامعات والمستشفيات وغيرها من مواقع التنشئة والمسئولية، فلنترك للآخرين الحاضر القريب، فالحاضر البعيد والمستقبل القريب والبعيد سيكون من نصيب جيلنا، كل شيء، كل المناصب، طبقًا لعوامل السن سيكون جيلي في مواقع المسئولية وسيكون هم الناخبين الأكبر سنًا والآباء الذين يعلمون الأبناء والمعلمين في المدارس والجامعات والأطباء في المستشفيات والمهندسين في مواقع العمل!

جيل كشف زيف كل من يبيع الوهم من أولئك الأقزام، ممن يستترون خلف الذقون الزائفة التي تبيع كل شيء من أجل مصالحها الشخصية أو من أجل مجموعاتهم الصغيرة، جيل كشف أصحاب الصيحات الفارغة التي تتكسب من وراء هموم الناس، جيل كشف الكل، وعرف الزائف والأصيل، جيل عصي على الاستقطاب يكره التنظيمات بمختلف أسمائها أحزابًا أو جماعات أو تكوينات، جيل 90% غير منتمٍ لا لهذا أو لذاك!

هذا الجيل منذ ولادته إلى الآن لا يرى إلا سلسلة من الأشياء غير المرئية أفكارًا حالمة دون تنفيذ على أرض الواقع، مشاريع فكرية دون تقدم ملموس، قراءة لنهضة من هم في جيلهم ونظرة إلى واقعهم الميؤوس تصيبهم بالإنهاك قبل الإحباط، وأملًا نفد من رصيدهم الحالي وخصم من طموحهم المستقبلي!

جيل انخرط في بناء شخصيته الفردية وانهمك فيها بشكل مفرط ولم يتقدم إلى بناء الشخصية الجمعية المجتمعة لغياب أو لتقل عدم وجود «المثل» أو القدوة فالأمثال يتعددون أما القدوة فواحدة ولكن لم يحضر أحد ومن حضر كان ضارًا بشكل أزعج الجميع، غياب الروح الجمعية أدت إلى تراكم روح الفردية بشكل أصبح غير متسامح مع أي قناعات فردية مقابلة لقناعاته فتراكم عدم التسامح مع عدم الانخراط فانفرط العقد المجتمعي بشكل أصبح مجرد اجتماعه معصية وذنبًا لا يغتفر للبعض، امتلأ الفراغ بضجيج بلا فائدة بلا وجود هدف للوصول، بلا رغبة للخروج من رحم الفكرة والنقاشات السفسطائية إلى عالم رحب من التجارب المتعددة!

الحل هو أن يعلم الجميع أننا كبرنا، أصبحنا شركاء، لسنا صغارًا!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد