يمر الشباب الآن بمرحلة أشبه بفقدان الهوية، وغياب البوصلة بسبب انعدام الرؤية، وظهور الضعف الشديد في الإمكانيات لدى قطاع كبير من القيادات السياسية والدعوية التاريخية، وظهور العوار الفكري والتنظيمي الذي طالما تم علاجه بمسكنات دون اللجوء لحل حقيقي.

لا أتحدث هنا عن شباب التيار الإسلامي فقط، ولكن عن كل من آمن بالثورة ورأى فيها أحلامه وطموحاته، عن الشباب غير المؤدلج وشباب التيارات الأخرى الذي اعتزل الحياة السياسية بعد أن رأى أن قياداته التي كان يتفاخر بها بها قد انقلبت على عقبيها وما كانت تقوله بالأمس مغاير لما تقوله اليوم مع اتخاذ مواقف غير إنسانية مع المخالفين لهم وتأييدهم للنظام القمعي الحالي.

لكن المشكلة تظهر أكبر في أبناء الوسط الإسلامي، حيث الدافع للعمل هو دافع عقائدي في الأساس -أو هكذا يُفترض- وبالتالي لا يمكن أن يتخاذل أبناء هذا التيار عن العمل لإيجاد سُبل فعالة للحل؛ لأن الإسلام كما نعتقد لم يترك شيئًا إلا وأوجد له الحلول.

لكن المشكلة الآن في تنوع التيارات الإسلامية، ووجود بون واسع بين أفكارها، واختلافات وتراشقات تصل أحيانًا لحد الشماتة والسب واللعن، وانتهاءً بالتكفير والقتل، وجميعها ولله الحمد قد أثبتت فشلها بجدارة بداية من تجربة الإخوان المسلمين في مصر وتونس وليبيا، مرورًا بالتجارب الجهادية في سوريا والعراق، والأفعال المروعة التي ارتكبت فيها سواء بجهل وغلو من أصحابها، أو بتخطيط وتوجيه من الغرب.

الشباب اليوم حائر فكل السُبل مغلقة في وجهه، التجارب السلمية الديمقراطية التي يقدسها الغرب تم دهسها تحت الدبابات على مرأى ومسمع، بل وبرضا مخترعي ومنظري الديمقراطية، وقتل من أتت بهم، وتم اعتقالهم وتعذيبهم، والتجارب الجهادية بما حملته من عنف ووحشية لردع «الغربيين» عن بلادنا لم تجد نفعًا، ووقعت التجربة في أخطاء جسيمة وسفك للدماء واقتتال داخلي، وهي تمامًا نفس أخطاء الماضي.

وللأمانة قد تركوا طريقًا واحدًا فقط للتدين، وهو أن تكون «إسلامي نعل»، يتركوك تمارس شعائرك ومظهرك بشرط أن تكون حذاءً يلبسه السيد الرئيس متى أراد، ويخلعه متى أراد، وحتى هذه الطريقة الآن غير مجدية؛ حيث يتشاجر النعال فيما بينهم، فهذا نعل له لحية يتبع الطريقة البرهامية، وهذا نعل آخر يلبس الرداء الصوفي، وهذا نعل مختلف تمامًا يلبس الزي الرسمي ويُدرس في الجامعات. وهذا يتهم هذا بالجهل، والآخر يتهمه بالتشدد، وكلهم مساكين لا يدرون أنهم مجرد أحذية في قدم سيدهم.

عن فشل التجارب يمكن أن تكتب آلاف المقالات والدراسات، ولكن في رأيي أن الجميع قد اتفق في عدة أشياء بشكل عام.

منها غياب العقيدة الصحيحة الدافعة للعمل بدون تفريط أو إفراط، عقيدة لا تكفر المخالف وفي نفس الوقت لا تترك ذروة سنام الإسلام وهو الجهاد.

عقيدة تدعو للتعاون بين الجميع قدر المستطاع، وتستوعب الاختلاف الفكري في الحدود التي أقر بها الشرع، عقيدة تتعامل مع الغرب بشكل صحيح يحقق مصلحة المسلمين دون موالاة الكافرين واتباع أوامرهم، أو محاولة قتلهم وإبادتهم جميعًا باسم الدين.

وإذا ما توافرت عقيدة صحيحة يمكننا بعد ذلك أن نستخلص منها رؤية واضحة يمكن البناء عليها، وتوجيه كافة الجهود في الدفع لتحقيقها، وبناء جسد جديد قوي وموحد يستطيع الخوض في مجال السياسة والدبلوماسية، وفي مجال المواجهة العسكرية أيضًا إذا استدعى الأمر، مع الاستفادة من خبرات وأخطاء الماضي المتراكمة.

وإلى أن يتم بلورة الفكرة وظهور هذا الشخص أو الكيان الملهم الذي يستطيع أن يجمع بين الفرقاء ويوحدهم، علينا أن نواصل العمل والتعلم في حدود المستطاع، إلى أن يقضي الله أمرًا كان مفعولًا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد