تساهم المقاولات في النمو الاقتصادي وفي التلاحم الاجتماعي، وخلق فرص الشغل وفي التنمية المحلية، كما تمثل عبر العالم الجزء الأكبر من المقاولات منشئة عددًا مهمًّا من فرص العمل. كما تساهم المقاولات في تحقيق الاندماج الاجتماعي والاقتصادي، إذ تتيح للعديد من الشباب الاندماج، كما تمكن من تشجيع روح المبادرة لدى أشخاص لم يسبق لهم أن استفادوا من فرص لتحقيق الاستقلال الاقتصادي. وهكذا تظهر العديد من التجارب أن المقاولات تمثل أداة مهمة لتشجيع روح المبادرة وإدماج الشباب في الحياة النشطة وتمكين الأشخاص المعاقين من تحقيق ذاتهم. علاوة على ذلك، يمثل تشجيع المقاولات وسيلة لتحديث ومأسسة نشاطات القطاع غير المنظم.

فقد أصبح موضوع المقاولات يحتل حيزًا كبيرًا من اهتمام الحكومات والعديد من الدول والشباب على وجه الخصوص، خاصة مع تزايد المكانة التي تحتلها المؤسسات الصغيرة والمصغرة في اقتصاديات مختلف هذه الدول مهما كان مستوى تطورها، والدور الذي باتت تلعبه في مختلف برامج التنمية المستقبلية الإستراتيجية. فالدخول إلى العالم المقاولاتي وعالم الأعمال يعد خطوة مهمة جدًا في حياة الفرد خاصة إذا تعلق الأمر بطرح منتوج جديد أو فكرة جديدة مبتكرة، فحتى لو كانت الفكرة جيدة وكان الفرد يمتلك مهارات وقدرات مقاولاتية، إلا أن هناك عراقيل يمكن أن توقف أو تأجل مساره نحو تأسيس وإنشاء المقاولة، ويكفي أن العديد من الإحصائيات تشير إلى أن نسبة كبيرة جدا من المؤسسات الصغيرة تزول أو تخرج من السوق خلال السنوات الأولى من بداية نشاطها وتسجل المؤسسات غير المستفيدة من الدعم والمرافقة النسبة الأكبر، وبالتالي فان عملية مرافقتها ودعمها خاصة في السنوات الأولى من إنشائها وبداية نموها يعد أمرًا ضروريًّا.

ومن هنا ينبغي التأكيد على أن المقاولة تمثل القاعدة الأساس لاقتصاد أي دولة، وعلى سبيل المثال فالنسيج الاقتصادي المغربي يعتمد بشكل كبير على عنصر المقاولة وخاصة الصغرى منها والمتوسطة التي تشكل 95% من دخله، بالرغم من وجود صعوبات وإكراهات تحد من فعاليتها ومن قيامها بدورها التنموي، هذه المشاكل يعتبر الشباب الركيزة الأساسية فيها، نظرا للمشاكل الكثيرة التي يعانيها هؤلاء سواء على مستوى التمويل المالي، أو على مستوى ضعف المواكبة، أو على مستوى عدم نجاح المشروع المقاولاتي.

فما هي إذن المشاكل التي يعاني منها الشباب المقاولاتي المغربي؟ وما هي الطرق الناجعة والفعالة لتشجيع الشباب على سلك طريق إنشاء المقاولات؟

إن شباب اليوم يتجهون على نحو ضعيف في درب إنشاء المقاولات بالرغم من البرامج الحكومية الصابة في هذا المجال، ولعل أهمها برنامج «مقاولاتي»، وهذا راجع بالأساس للمشاكل والمعيقات التي يصطدمون بها، ومن أبرزها عدم نجاح مشروعهم المقاولاتي وانهياره في بداياته، ويرجع السبب الرئيسي لهذا المشكل الذي يواجه الشباب المقاولاتي، في عدم المواكبة وعدم وجود التأطير الجيد لهم، وعدم وجود حاضنات لهذا المشروع أي عدم وجود مرافقة مقاولاتية لمشاريع هؤلاء الشباب مما يدفع العديد منهم إلى إعلان إفلاس مقاولاتهم.

فحاضنات المشاريع (المرافقة المقاولاتية)، أقيمت في الأساس لمواجهة الارتفاع الكبير في معدلات فشل وانهيار المشروعات الصغيرة الجديدة في الأعوام الأولى لإقامتها، وقد أوضحت العديد من الدراسات أن 50% من المشروعات الجديدة في الولايات المتحدة مثلا تتعرض للتوقف والانهيار خلال عامين من إقامتها بينما ترتفع هذه النسبة إلى 85% في غضون خمسة أعوام من إقامتها، وقد لوحظت هذه النسبة المرتفعة للانهيار أيضا في الدول الأوروبية، إلا أن الدراسات الحديثة التي أجريت لتقييم تجارب الحاضنات في هذه الدول أثبتت بما لا يدع مجالا للشك كفاءة ونجاح الحاضنات في رفع مستوى نجاح هذه المشروعات بشكل كبير، وتوضح الدراسات التي تمت مناقشتها خلال عام 2002 والتي أجراها قطاع الأعمال والمقاولات في الاتحاد الأوروبي أن تجربة 16 دولة الأوربية في الحاضنات منذ نشأت برامج الحاضنات فيها قد أفرزت نتائج جيدة حيث أن 90% من جميع الشركات التي تمت إقامتها داخل الحاضنات الأوربية ما زالت تعمل بنجاح بعد مضي أكثر من ثلاثة أعوام على إقامتها. وحاضنات المشروعات تحتضن المبادرين وأصحاب الأفكار والمشروعات التي تقدم منتجات وخدمات جديدة ومتطورة تؤدي إلى إحداث تنمية متعددة الأهداف من تكنولوجية واقتصادية واجتماعية في المجتمعات التي تقام بداخلها هذه الحاضنات، وتعمل الحاضنات باختلاف أنواعها وتخصصاتها على إيجاد صور ذهنية للنجاح أمام صاحب المشروع المقاولاتي الناشئ، حيث إن الممارسات التي توفرها إدارة الحاضنة تمثل عاملا جوهريا في تنمية هذه المشروعات الجديدة بالشكل الذي يجعل بعض الخبراء يطلقون على الحاضنات مسمى «معهد إعداد الشركات».

ومنذ منتصف الثمانينيات الميلادية، وهي الفترة التي تمثل البداية الفعلية لبرامج الحاضنات خاصة الولايات المتحدة، لم تتوقف منظومة عمل الحاضنات عن التطور والتنوع حتى أصبحت اليوم تمثل صناعة قائمة بذاتها يطلق عليها البعض «صناعة الحاضنات». ومع تطور الحاضنات باعتبارها أداةً للتنمية المتكاملة قام عدد كبير من الدول بوضع برامج وطنية لإقامة عدد من الحاضنات بها، وتذكر الإحصائيات الحديثة أن هناك حاليا نحو 3500 حاضنة أعمال تعمل في مختلف دول العالم منها نحو ألف حاضنة في الولايات المتحدة فقط وتنتشر نحو 1700 حاضنة في نحو 150 دولة من الدول النامية تمتلك منها الصين 465 حاضنة وتحقق بذلك المركز الثاني بعد الولايات المتحدة الأمريكية، بينما تمتلك كل من كوريا الجنوبية والبرازيل نحو 200 حاضنة لكل منها.

لا يمكن تصور مستقبل المغرب دون مشاركة فاعلة وحقيقية من لدن قواه الحية المتمثلة في الشباب بسواعده القوية القادرة على البناء وبعقوله النيرة المؤهلة للابتكار، هذه الفئة التي تمثل ثروة المغرب الحقيقية والدائمة والمتجددة، والشرط المسبق لتحقيق التنمية والسلام والازدهار في البلاد، دون العمل على تشجيع الشباب على إنشاء المقاولات، ليس فقط التشجيع بل المواكبة الحقيقية والملموسة لهم، وضرورة تشجيع الدولة لكل الأجهزة المرافقة المتواجدة بها التي تهدف إلى ترقية إنشاء المؤسسات المقاولاتية وتطوير أجهزة أخرى مماثلة أو مكملة لها؛ وخلق عدد من الحاضنات تستجيب للطلب النوعي والكمي من أجل خلق مقاولة، والتكثيف من تنظيم الصالونات والمعارض الجهوية والوطنية وحتى الدولية ومحاولة إشراك أكبر عدد ممكن من المنشئين فيها، وهو ما تم بالفعل من خلال احتضان المغرب الدورة الخامسة للقمة العالمية لريادة الأعمال، بمشاركة ما لا يقل عن ثلاثة آلاف من رجال ونساء الأعمال ورؤساء الدول وكبار المسؤولين الحكوميين وحاملي مشاريع وخبراء من مختلف دول العالم. حيث تميزت الجلسة الافتتاحية بالرسالة السامية التي وجهها صاحب الجلالة الملك محمد السادس للمشاركين في هذه القمة العالمية التي تقام تحت شعار «تسخير قوة التكنولوجيا لتعزيز الابتكار وريادة الأعمال»، والتي تلاها السيد عبد الإله ابن كيران رئيس الحكومة، والتي جاء في أحد سطورها على لسان عاهل البلاد «أن الإنسان لا يولد مقاولا، بل يصبح كذلك عبر الانخراط في مسار النجاح، من خلال علاقة تفاعلية بين المجهود والتعلم والتحكم في الصعوبات»، لذلك يجب على الشباب أن يبادر إلى خلق فرص جديدة وآفاق جديدة، وفتح أبواب جديدة من خلال مشاريع تنموية وأفكار ابتكارية، تفتح له المجال أمامه لولوج عالم الأعمال وتطوير الذات عن طريق إنشاء مقاولته الخاصة، وعلى الحكومة تبني إستراتيجية وطنية تستثمر التجارب السابقة والمقارنة في هذا الإطار من أجل خلق بيئة حاضنة لهؤلاء الشباب ومؤطرة لهم حتى تنجح مقاولاتهم.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

الشباب
عرض التعليقات
تحميل المزيد