لو سألتهم عما يجري من حولهم من أحداث محلية أو إقليمية أو عالمية لسمعت ”نحن لا نحب السياسة ولا نتابع الأخبار” هم إذا لا يعيشون زمانهم بل يعيشون على هامش الحياة! وبمثل هؤلاء لن تتحقق نهضة.  د.سلمان العودة

يشهد العالم كله والعربي خصوصا فتورا ملحوظا وعزوفا للشباب عن المشاركة في الحياة السياسية لكن الواقع يقول عكس ذلك، فكلهم تقريبا يخوضون في قضايا الشأن العام ويناقشون في جميع المجالات ”السياسية، الاقتصادية، الاجتماعية، الثقافية والرياضية..إلخ“، إذن فهم لا يعزفون عن السياسة بل عن العمل الحزبي تحديدا ومعظم التحليل يتجه إلى اعتبار ذلك جزءا من السطحية والتفكير المحدود.

 فما سبب هذا العزوف؟

أهو نقص وعي ومعرفة بطبيعة العمل السياسي الذي يمثل إدارة الأمور المتعلقة بحياة المواطنين اليومية، أو تخوف من خوض التجربة لصورة مبهمة رسمت في عقولهم عن هذا العمل؟ أم احتكار الشيوخ له وعدم الثقة في قدرات الشباب؟ أم لأنه حرص من بعض الأولياء على إبعاد أبنائهم عن كل ما له علاقة بالسياسة تخوفا من تجاربهم وما شهدوه في مراحل شبابهم من من معاناة السياسي وبشكل خاص الذي يدافع عن الحق أو كان معارضا لأنظمة الحكم الطاغيةـ، فيقولون هذا ما وجدنا عليه أباءنا، ومن أهم الأمثلة في هذا الجزائر التي عانت من عشرية سوداء جعلت من كلمة سياسة مرادفة للسجن أو القتل أو الهجرة فإما السكوت أو التهديد.

طبعا كلها أسباب تختلف من شخص لآخر ومن منطقة لأخرى لكن تبقى هناك أسباب أخرى يتفق عليها جميع الشباب ومن أهما:

أن احتكار بعض القادة السياسيين للمناصب وإبعادهم للشباب أصحاب الكفاءة والطموحات والشخصية القوية حتى لا يشكلون تهديدا مستقبلا فلا استعداد لهم لمغادرة مناصبهم فالشاب معروف بحماسه وقوة اندفاعه فيضيقون عليه ويشلون حركته ليتخلصوا منه ثم يحيط هؤلاء القادة أنفسهم بالأتباع الذين يطيعون الأوامر إما خوفا من بطش رئيس حزبهم أو طمعا منهم في تزكية منه لمنصب مهم، وإما استغلال هؤلاء الشباب إذا ما رأوا فيهم ما يخدمهم ويعينهم على قضاء حوائجهم، هو أحد الأسباب الرئيسية التي دفعت الشباب للابتعاد عن العمل السياسي والانخراط في الأحزاب.

تشويه العمل السياسي وصورة الرجل السياسي التي جعلت منه شخصا لا يهتم إلا بمصلحته الخاصة والسعي وراء الماديات، وهذا ما تعمل عليه الكثير من الحكومات العربية من خلال تلفيق التهم للأحزاب والأفراد، التشكيك في مصداقيتهم وأمانتهم، وتقديم نماذج مهترئة لرجال السياسة داخل البرلمانات والمجالس المنتخبة وحتى الحكومة والترويج لها إعلاميا وبالمقابل التشويش على الكفاءات لتختلط الأمور على المواطن ويصبح من الصعب عليه التفريق بين المؤهل الصادق والخائن العابث الذي لا يهتم إلا بملء جيبه وقضاء مصالحه ويضعهم ذلك جميعا في كفة واحدة.
ثم إن عزوف الشاب الواعي المثقف من الدخول في العمل السياسي ما هو إلا خوف من الاصطدام مع تلك المخلوقات التي لا تفقه شيئا في عالم السياسة غير إطاعة الاوامر ورفع الأيدي والسب والشتم عند النقاش، حتى لا يخلط نفسه بهم فتشوه سمعته هو الآخر.

عدم نجاعة العمل السياسي في منظور الشباب حيث يرى أن هذا العمل لم يعد يجدي نفعا في تغيير الواقع المرير.

العمل الموسمي لدى الكثير من الأحزاب، فلا يكاد يرى لها أثر إلا عند اقتراب المواعيد الإنتخابية، لتصبح فجأة تتصارع فيما بينها للاهتمام بالشباب والاستماع لهم ولمشاكلهم ودعوتهم للمشاركة إما في الحزب أو التصويت لصالح الحزب أو المساهمة في الترويج له ثم تعود لتختفي بعد انتهاء الإنتخابات، ليشعر الشباب وكأن هذا الحزب قد استغله للوصول لمصلحته، فيقرر عدم خوض هذه التجربة وينصح غيره بذلك.

الطابع التقليدي الكلاسيكي الممل الذي مازال يغلب على عملية الاستقطاب الحزبي دون الأخد بعين الاعتبار باهتمامات الشباب الحالية.

غياب مؤسسات خاصة بالتكوين السياسي داخل الأحزاب، فيجد الشاب نفسه تابعا لا يدرك ما الذي يجري حوله من حراك ولا قدرة له على النقاش والتحليل والمشاركة الفعلية ما سينتج عنه بالطبع قيادات متخبطة في اتخاذ القرارات لا تعي ماذا تفعل.

عدم وضوح القواعد والشروط الشفافة للارتقاء داخل الحزب وغياب العدل والحكم على الأفراد من خلال ألقابهم بذل الكفاءة والقدرة على العمل ما يجعل بعض الشباب يشعر بالإقصاء.

عدم وجود ثقافة مجتمعية تشجع على الخوض في السياسة وتعتبرها خطا أحمر لا يمكن تجاوزه ولا يحق إلا للمتحزب الحديث فيه، ما يرهب أغلب الشباب ويسكتهم خوفا من أن يفقد وظيفته إذا ما اكتشف انتماؤه لحزب ما خصوصا حزب معارض.

الشروط غير المبررة من قبل الكثير من المؤسسات والجمعيات الحكومية والخاصة في عدم دخول الشباب إلى العمل السياسي أو الاختيار بينه وبين النشاط داخل المؤسسة، وهذا يرجع لأمرين مهمين أولهما نقص الوعي وعدم تفريق أصحاب تلك المؤسسات بين الانتماء السياسي والعمل الجمعوي وخلطهما مع أن أغلب رؤساء الجمعيات بخلفيات سياسية لكنهم يمنعون الشباب من ذلك، ثانيا تعمد ذلك لإبعاد الشباب أصحاب الكفاءات على المشاركة في العملية السياسية لأنهم يمثلون عائقا في بقاء الكبار على الكرسي.

دورة المنظمات الطلابية والشبابية في التوعية للعمل السياسي

في الأمس القريب لعبت المنظمات الطلابية في الجامعات دورا رئيسيا في مشاركة الشباب في كثير من المحطات الحساسة في العملية السياسية، لكن الوضع اختلف اليوم فلم تعد تلك المنظمات تعمل على تكوين الشباب فقد تغيرت اهتماماتهم وبرامجهم بل وقد يصل الحال إلى فصل الطالب من الجامعة إذا ما تدخل في الشؤون السياسة ودعا لها داخل الجامعة وإن كان يدرس في ذلك التخصص، أيضا إختلاف إهتمامات الشباب وميوله فأصبح يفضل أكثر المشاركة المجتمعية والخدمة العامة وتشكيل الجمعيات والمشاريع الخيرية والتطوعية، فهو يعتقد أنه بهذا يساهم في القضاء على مشاكل مجتمعه والمساهمة في نهضته، لكن الحقيقة تقول إن هذا العمل ما هو إلا جزء بسيط في دفة الصراع الحضاري لأنه يعالج المشكلة لحظيا فقط ولا يستأصلها من الجذور، فالسياسة هي التي تحدد كل شيء وتعمل على تخليص المجتمع من مشاكله العويصة فهي التي تقرر ثمن رغيف الخبز والحليب وثمن تسعيرة الحافلة ومستوى التعليم ومستوى الخدمات الصحية وحتى الحريات العامة وحقوق الإنسان وكل صغيرة وكبيرة.

مؤخرا أدركت بعض الأحزاب هذا الإشكال فسارعت لإنشاء مؤسسات شبابية في مختلف الميادين تابعة للحزب أو لها علاقة غير مباشرة به من أجل استقطاب الشباب بجميع اهتماماتهم وتمكينهم ومرافقتهم وتنمية قدراتهم ورفع مستوى الوعي عندهم، وتعد هذه المؤسسات الشبابية خزانا للأحزاب لتزويدها مستقبلا بالأطر والكفاءات القادرة على تسيير شؤون الحزب والمساهمة في العملية السياسية.

وإيمانا منها أن عملية التغيير ونهضة المجتمعات وبناء الحضارة لا تتطور ولا تسير إن لم يكن حاملها هو جيل الشباب رجاله ونساؤه على قدم وساق دون تمييز أو تفريق، وقد أوصى الرسول بالشباب خيرًا لإيمانه العميق بقدراتهم وطاقاتهم الخلاقة المبدعة كما أكد الله عزوجل أن الشباب مرحلة قوة بين ضعفين بقوله عز وجل «الله الذي خلقكم من ضعف ثم جعل من بعد ضعف قوة ثم جعل من بعد قوة ضعفًا وشيبة» سورة الروم.

كما أن تلك الاحزاب تدرك تمامًا خطورة الحماس والاندفاع لدى الشباب فإذا لم يتم تأطيره بالشكل الأمثل فقد يكون خطرا إذا أسيئ استغلاله، فتعمل على تأطيرها بما يخدم مصلحة الوطن والأمة.

وأثبتت الدراسات أن نسبة مقوامة الإبداع عند الكبار هي 98% عكس الشباب فهو الذي يصنع الإبداع ويحسن ابكتار الحلول التي تناسب زمانه وتحل مشاكله فهو الذي يدرك عمق مأساته، وتحويل الأفكار المجردة إلى إنجازات واقعية ويرسمون بها ملامح وجه مستقبلهم المشرق.

مع ذلك يبقى الإشكال في فئة كبيرة من الشباب التي تجهل أن العمل السياسي هو عمل مرهق ويتطلب تضحيات كبيرة ومشقة ووضوح رؤية وتغليب المصلحة العامة على الخاصة وخدمة الوطن والوقوف في وجه تلك المخلوقات التي عاثت في الأرض فسادا، ويرغبون فقط في الظهور وتقلد المناصب والمسؤوليات.

ومنهم من يرجع السبب في عدم اهتمام الأحزاب بهم ويطالبون بتوفير أماكن لهم، وهذا غير معقول فلا أحد يمكنه أن يوفر لك مكانا بل عليك العمل من أجله وإبراز قدراتك وإثبات نفسك في الميدان والاحتكاك بمن سبقوك واكتساب الخبرة والتدرج في المسؤوليات حتى تجبر من معك على الإصغاء لك وإدماجك في عملية صناعة القرار، غير هذا لا تتوقع من أحد أن يستمع لك ويأخد برأيك أو يشاركك رأيه.

إذا فلا بد للشباب أن يدرك هذا الوضع جيدا ولابد له من المشاركة في العملية السياسية فحتى إن لم تكن له القدرة على تحمل شقاء العمل السياسي وأجوائه المشحونة والصعبة والحرص على المصلحة العامة فأقل شيء ولمصلحته الخاصة أن يدلي بصوته في الانتخابات ويختار من يحسن تمثيله.

فالشباب الذين لا يهتمون بالسياسة يحكمهم سياسيون لا يهتمون بالشباب وكما يقول أفلاطون ”يعاقب الأذكياء الذين يرفضون الانخراط في العمل السياسي بأن يحكموا بواسطة الأغبياء”.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد