حين الكلام عن الشباب فإنه يعني أننا نتكلم عن الأمل، عن القوة، عن التغيير، عن الهمة، عن الطرح الجديد أو الرؤية الجديدة للحياة والأمور، وبطبيعة الحال لم تكن هذه النظرة إلى (الشباب) مقتصرة على زمن معين وعصر محدد، وتخبرنا على ذلك شواهد التاريخ الكثيرة.

ولنأخذ من هذه الشواهد مثالًا قد يكون نافعًا ومحفزًا لشبابنا المعاصر، تُشعره بأهميته وضرورته في التغيير، وأنه اللبنة الأساسية في إحداث الفارق الكبير في الحياة والواقع، وأن هناك من أحدث نقلة وتغييرًا كبيرًا في فترة مهمة وصعبة، كان من أهميتها أن تغيرت مسار الأمور من الأسوأ إلى الأفضل.

لنأخذ دور الشباب من خلال السيرة النبوية وبالتحديد (شباب الأوس والخزرج)، في فترة الهجرة ودورهم في تغيير الأحداث آنذاك، وكيف أحدثوا هذه النقلة في واقع مجتمعهم (يثرب) الذي كانت تَسودُهُ المعارك والعداوات بين أبناء العمومة، وما أقصده هنا: أن في ذلك الوقت كانت المعارك طاحنة بين الأوس والخزرج، وهم في الأصل أبناء عمومة – كما تقول كتب التاريخ – من سكان اليمن هاجروا من اليمن بعد انهيار سد مأرب وسيل العرم حوالي 400 سنة قبل البعثة، وأن أوسًا وخزرج شقيقان، ولكن بعد أن هاجروا وتفرقوا وكَثُرَ نسلهم، أصبحت هناك ضغائن بينهم وعداوات وحروب أدت إلى سيلان الدم بينهما، وإنهاك البنية الاجتماعية للقبيلتين على نحو جعل الكثيرين يشعرون بضرورة التغيير؛ ولا سيما إذا ما علمنا بالمعركة الشهيرة التي تُسمى (بُعاثًا أو يوم بُعاث)، والتي حدثت بين القبيلتين، قبل الهجرة بخمس سنوات، وقضت على أغلب كبار القوم وصناديدهم؛ إذ أدى ذلك بالنتيجة إلى أن يكون هناك رأي آخر للشباب، ودور مهم في تلك الفترة، وأن تكون هناك نظرة مختلفة إلى الأمور والحياة؛ كما مهدت الطريق إلى جيل الشباب ليكون له دور وأثر في القادم.

وسبب اختياري هذا الشاهد التاريخيّ، هو وجود تشابه وتقارب بين: الوضع حينذاك، ووضعنا المعاصر، فقد وُجِدَ الضياع والتيه، والجهل، والتخلف الحضاريّ، والنزاعات الدموية والمشاكل (الطائفية) بين أبناء البلد الواحد، كل ذلك وأكثر صار موجودًا الآن، وكان موجودًا حينذاك.

وكما هو الحال في كل ظرفٍ وزمان، فإن الشباب – عادةً – هُم الأكثر رغبةً في التجديد والتغيير؛ فضلًا عن أن رغبتهم في الحياة أكبر، ونظرتهم إلى الأمور مختلفة، فهم يريدون حياة أكثر استقرارًا وأقل دموية، وأكثر إبداعًا، ولا سيما أن القبيلتين كانتا تسكنان المدينة نفسها.

وكان شعور شباب ذلك الوقت أنه لم يعد الاستمرار ممكنًا في ظل النظام القديم الذي فُرضَ عليهم، فالنظام العشائريّ القبليّ لم يتمكن من حماية أبناء العمومة من الانجرار نحو حمام الدم، في حروب استمرت لأكثر من عقدين من الزمن؛ إذ بدا للشباب عطب هذا النظام وفشله، وعدم صلاحه لواقعهم، وضرورة تغييره.

وعادةً ما يكون الشباب هم الأسرع في تقبل الأفكار والطروحات الجديدة، والإبداع فيها؛ ونرى ذلك عن طريق قول العباس – رضي الله عنه – لاحقًا عن الأنصار حين بيعة العقبة وهو يرى من جاء للبيعة: (هَؤُلاءِ قَوْمٌ لا أَعْرِفُهُمْ، هَؤُلاءِ أَحْدَاثٌ!) (مسند أحمد:14653).

وتقول السيدة عائشة – رضي الله عنها – بعبقرية نادرة عن هذا الموضوع: (كانَ يَوْمُ بُعَاثَ، يَوْمًا قَدَّمَهُ اللهُ لِرَسُولِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَدِمَ رَسُولُ الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَدِ افْتَرَقَ مَلَؤُهُمْ، وَقُتِلَتْ سَرَوَاتُهُمْ وَجُرَّحُوا، فَقَدَّمَهُ اللهُ لِرَسُولِهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ- فيِ دُخُولِهِمْ فيِ الإِسْلاَمِ) (صحيح البخاريّ:3777).

ويؤيد كلام سيدتنا عائشة، عالمُ الفيزياء الألمانيّ (ماكس بلانك) صاحب نظرية الكم فيقول: الأفكار الجديدة لا تنتشر باقتناع المعارضين لها بالحجج والبراهين.. بل يموت هؤلاء، ويأتي جيل جديد أكثر تقبلًا للفكرة الجديدة.

ولنا أن نتصور عمق الخراب الذي كان موجودًا حينذاك – ويمكن كذلك تخيل الواقع المعاصر – فمن عمق هذا الخراب نشأ أمَلٌ جديد، أحد لبناته المهمة (الشباب)، وجوهر روحه الإسلام، وقيادته بِيَدِ سيدنا محمد عليه الصلاة والسلام.

إذًا فرص التغيير متوافرة في أغلب الأوقات والأوضاع، واللبيب من يقتنصها، وفرصة تغيير واقعهم حينذاك توافرت لهم عن طريق الإسلام، وتحديدًا عن طريق النبيّ محمد صلى الله عليه وسلم؛ فلنتطرق إلى كيفية حدوث ذلك.

طيلة سنوات الدعوة كان النبيّ محمد – عليه الصلاة والسلام – يتكلم مع الناس والقبائل التي تأتي إلى الحج أو التجارة في مكة ويدعوهم إلى الإيمان بالله ويطلب منهم أن ينصروه (مَنْ يُؤْوينِي؟ مَنْ يَنْصُرُني حَتَّى أُبَلَّغَ رِسَالَةَ رَبَّي، وَلَهُ الجَنَّةُ؟) وبطبيعة الحال كان هناك تحذير من قريش لهذه القبائل من أن يسمعوا أو يتجاوبوا معه صلى الله عليه وسلم. وبالتأكيد كان هناك من يسمع له ويصدقه؛ ولكنه – صلى الله عليه وسلم – كان في مرحلة ما بعد الطائف خاصةً يبحث عمن يؤويه، وينصره.

وقد حدث ذلك في حج السنة الحادية عشرة من البعثة، حدث شيء مختلف، غَيَّرَ مسار الأمور كثيرًا، ويَذكُرُ ذلك ابن إسحاق في سيرته فيقول: (لما لقيهم (الخزرج) رسول الله – صلى الله عليه وسلم – قال لهم: من أنتم؟ قالوا: نفرٌ من الخزرج، قال: أمِن مَوَالي يَهُودَ؟ قالوا: نَعَمْ، قَالَ: أفلا تَجلِسُونَ أُكَلِمُكُم؟ قالوا: بَلَى. فَجَلَسُوا مَعَهُ، فّدّعاهُمْ إلى الله – عَزَّ وّجَلَّ – وعرضَ عليهم الإسلام، وتلا عليهم القُرآنَ… فَأجَابوُهُ فِيمَا دَعَاهُم إليه، بأن صَدَّقُوهُ وَقَبِلُوا مِنْهُ مَا عَرَضَ عَلَيْهِم مِن الإسلام، وقالوا: إنَّا قَدْ تَرَكنَا قَوْمَنَا، ولا قَومَ بَينهُم من العداوة والشَرَّ ما بَينَهُم، فَعَسَى أن يجمَعَهُم الله بِكَ، فَسَنَقْدَمُ عَلَيْهِمْ، فَنَدعُوهم إلى أمرِكَ، وَتَعرِضُ عليهم الذي أجبناكَ إليه من هذا الدينِ، فإن يَجمَعهُم الله عَلَيهِ فلا رَجُلَ أعَزُّ مِنْكَ. ثم انْصرَفوا عن رسول الله – صلى الله عليه وسلم – راجِعِين إلى بِلادِهِمْ، وقد آمَنُوا وصَدَّقُوا). ولا نريد هنا التعمق في السرد، وذكر التفاصيل حول هذا الحدث، ولكن علينا أن نوضح فقط، أن هذه المجموعة التي لقيت النبي – صلى الله عليه وسلم – وآمنت به كانت مكونة من ستة أشخاص، بينهم امرأة واحدة.

لكن ليس هذا كل شيء، سنرى تميز هذا (الشباب) من خلال تعاملهم مع هذا الحدث؛ إذ في العام نفسه كان هناك من آمن أيضًا وعرض النصرة والمأوى على الرسول (عليه الصلاة والسلام)، وهو رجل من همدان، من قبائل اليمن، وقال للرسول – عليه الصلاة والسلام – أن قومه سيحمونه ويمنعون الناس من أن يؤذوه، وطلب من الرسول أن يمهله حتى الموسم القادم.. لكي يخبر قومه أولًا، ثم يرجع إلى النبي صلى الله عليه وسلم.

تَمَّيُز الشباب هنا كان عن طريق: ما أخبرنا به الإمام أحمد بن حنبل في مسنده: قبل أن يحين موعد عودة وفد همدان.. جَاءَ وَفْدُ الأنْصَارِ في رَجَبٍ. (مسند أحمد: 15192).

إذًا وفد الأنصار يقتنص الفرصة يأتي في رجب بعد ستة أشهر، وقبل ستة أشهر من الحج، (لا ينتظر شباب يثرب سنة كاملة) – ألا يُذكرنا ذلك بأنفسنا بوصفنا شبابًا، من عدم انتظارنا زمنًا طويلاً من أجل أمور لا تستوجب منا كل هذا الانتظار  نراهم هنا كما لو أنهم يشعرون أن عليهم الإسراع باقتناص الفرصة قبل أن تذهب لغيرهم؛ ولا يخفى علينا بعد ذلك أهمية النقلة النوعية التي حصلت من خلال هجرة الحبيب المصطفى – صلى الله عليه وسلم – إلى يثرب.

ونرى أيضًا أن هناك جانبًا آخر أبدع فيه الأنصار، عن طريق هذه الفرصة التي أحسنوا استغلالها؛ وهو أن أوائل المسلمين كانوا على معرفة شخصية بالنبيّ – عليه الصلاة والسلام – ويعرفون أخلاقه مباشرةً وصدقه، وهو ابن مدينتهم، وحتى من لم يتعامل معه مباشرةً، كان قد سمع بصدقه وطيب أخلاقه؛ مما كان لذلك جزء كبير في إيمان أوائل المسلمين به – عليه الصلاة والسلام – لكن الأمر هنا يختلف مع أهل يثرب وشبابهم، إذ لم يكن هناك معرفة شخصية بالنبيّ محمد – صلى الله عليه وسلم – لكن ما السر في ذلك؟ أيمكن أن نقول: إن هؤلاء الشباب كان تركيزهم على الرسالة في هذه المرحلة أكثر من الرسول – عليه الصلاة والسلام – بسبب رغبتهم الشديدة في تغيير واقعهم المرير.

ونختم ذلك بمشهد يجسد لنا جدية هذا الشباب ودورهم المهم حينذاك عن طريق‏ قول: سيدنا ‏عليّ كرّم الله وجهه ‏قال: ‏تقدم – ‏يعني‏ ‏عتبة ابن ربيعة – أي يوم بدر، ‏وتبعه ‏ابنه ‏وأخوه‏ ‏فنادى: من يبارز؟‏ ‏فانتدب ‏له شباب من‏ ‏الأنصار‏ ‏فقال: من أنتم؟ فأخبروه. فقال: لا حاجة لنا فيكم، إنّما أردنا بني عمّنا.. (سنن أبي داود، 2665). هذه دعوة إلى الشباب المعاصر للنظر في واقعهم والتفكر فيه ومحاولة إصلاحه، ومحاولة التغيير قدر الإمكان، وفق تخصص كل واحد منا ورؤيته، ولا ننسى قول الله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ) (الرعد: الآية11).

إذًا نَخلُصُ من كل ذلك بأن الشباب هُم صُنَّاع التغيير، هُم من يُحدِثون الفارق في الواقع إذا ما أرادوا ذلك واعتقدوه، بل إنهم الرقم الصعب في معادلة التغيير؛ ومن ثم فإننا نستلهم من هذا الجيل الذي ساند النبيّ محمد – صلى الله عليه وسلم – وناصره، وخاطر عن طريق إسناده هذه الدعوة واعتناقها، والتي كانت تُعَدُ حينذاك خطرًا محدقًا بمن ينصرها أو يعتنقها، فغيروا عن طريق ذلك واقعهم التعيس؛ ونستلهم منهم الهمة والجدة، والصدق في التعاطي مع الرسالة، نستلهم منهم قيمة ما أحدثوه من فرق ونتفكر فيه؛ والسؤال هنا: أيمكن لشبابنا المعاصر أن يُحدث فرقًا بتغيير واقعه ومجتمعه؟ جواب ذلك متروك لك.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات

(0 تعليق)

أضف تعليقًا

هذا البريد مسجل لدينا بالفعل. يرجى استخدام نموذج تسجيل الدخول أو إدخال واحدة أخرى.

اسم العضو أو كلمة السر غير صحيحة

Sorry that something went wrong, repeat again!