الجدلية الأبدية بين الرغبة والعجز عن تلبية تلك الرغبة. تتجلى كسمة أساسية للفيلم الذي يقوم ببطولته موسيقار هرم اعتزل العزف بعدما أصاب المرض أجزاء من ماضيه.. فلم تعد زوجته المطربة الوحيدة لأشهر مقطوعاته الفنية “سيمبل” قادرة على الغناء كما كانت في شبابها..

ويُصوَّر العجز عن إصلاح ماضي البطل وصديقه المخرج السينمائي, خلال المعاناة التي تقابل البطليْن بصفة يومية أثناء التبول. فلا يقضون من حاجتهم أكثر من قطرتين وربما قطرة.. وفي كثير من الليالِي يكونان يكذبان. في مشهد يتكرر, فيؤكد على ضياع كل قدرة على تلبية الاحتياجات, رغم وجود الرغبة في التلبية دائمًا.

والشباب كعنوان للفيلم هو ماضي العاجزين. وتتزامل كلتا الحقبتين العمريتين في نفس الفندق الذي تدور بداخله أحداث الفيلم. فنرى الجيل الجديد من الشباب يتقاسم المشهد مع العجائز. كابنة الموسيقار ورفيقة ابن المخرج السينمائي, اللذين ينفصلان في المطار قبيل رحلتهما كإشارةٍ هادئةٍ إلى العشوائيةِ الغرائزية التي تتضمنها فترة الشباب.

ويتم تصوير الفيلم في فندق سويسري, يعد من أفضل الفنادق في العالم. مما يتيح للمخرج الذي هو معروفٌ عنه انتهاجه نهجًا يعتمد على جمال الصورة في أفلامه التي تحتضن فلسفة الجمال كمذهب لها، مناقشة المعضلات. فضلًا عن تعدد الثقافات في نفس الحيز, إذ بجوار الموسيقار والمخرج السينمائي, يكون ممثل سينمائي يعاني من أزمة الماضي أيضًا. فلا يتذكره الناس سوى من خلال فيلم ارتدى فيه بدلة حديدية طوال مُدّته. ولِأنَّ الفيلم تجاري مسطح من حيث الجوهر والمضمون, نال إعجاب العامة, فلا يتذكر له واحدٌ من الناس أدواره السينمائية الأخرى. كذلك لاعب الكرة الأشهر “مارادونا” يظهر في الفيلم بعد أن أصابته السمنة والوحدة. وملكة جمال العالم التي تحرك شهوة العجائز ورغباتهم, ولا تشفيها أبدًا.

وفى إطارٍ درامي تمتزج فيه الدعابة بالمعاناة. فنضحك لشدة المأساة, في بعض المشاهد.. يكتسب الفيلم منطق الواقع مما يمس خيال المشاهد ويعزله عمّا حوله.

ويُسرَد الفيلم بالترتيب الزمني العادي في الواقع. إذ يبدأ الفيلم من اللحظة التي يختلف فيها الموسيقار مع مندوب الملكة, الذي يعرض عليه طلب ملكة إنجلترا تأديته مقطوعة “سيمبل” في عيد ميلاد أحد أفراد العائلة المَلكي. ويرفض البطل دون تبرير. ويتكرر إلحاح المندوب والملكة على حد سواء, في مشهد آخر من الفيلم ويتجدد معه الرفض وتحت تأثير العاطفة ينفعل الموسيقار ويحكي عن عجز زوجته عن تأدية المقطوعة, وأنه يعجز هو كذلك عن تقديم المقطوعة بدونها.

a

وفي تلك السن تحديدًا، التي يحتاج فيها المرء أن يشعر بوجوده، لا أن يتجاهل العالم تاريخه ويحل محله مطرب شاب. وبينما الموسيقار جالسٌ على كرسيه في حجرته يتجاذب أطراف الحديث مع صديقه المخرج عن الماضي المندثر كعادتهم. يقوم المخرج من مكانه ويقفز ببطء من الشرفة. ولا يفعل الموسيقار سوى أن ترتعد عيناه فيما هو جالس في مكانه يسمع صوت سقوط زميله منتحرًا وسط الصمت. قبل أن تتعالى صيحات الناس.

ومع انتحار الصديق (المخرج السينمائي)، لإدراكه تمام الإدراك خواء ماضيه وتفاهة أعماله, وعجزه في تلك السن عن إصلاح الماضي.. يوافق الموسيقار على تأدية الحفلة. وتقوم إحدى المطربات الشابات بدور زوجته. قد آمن الموسيقار مع وفاة زميله, بعجزه وحتمية قتل الحاضر للماضي. التماسك والتخطي سمة أساسية من سمات الإنسان في رحلة الحياة.. يتماسك الموسيقار ويحييِ الحفل. ثم تبهت الشاشة إلى ظلام النهاية على أنغام التحفة الموسيقية “سيمبل” التي تتأخّر حتى المشهد الأخير في الفيلم.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد