لا شك أن للشباب دورًا كبيرًا في الحركات والتجمعات المجتمعية التي تنشد تغيير المجتمع وإصلاحه، وشباب الحركة الإسلامية ليس استثناءً لهذه القاعدة، لكن لا أحد يعرف الشيء الكثير عن الحركة الاسلامية في العراق عمومًا، عوضًا عن شبابها!، بالطبع ليس المقام هنا الحديث عن الحركة الاسلامية بالمجمل؛ فالمقام لا يتّسع، ولكنّي هنا أحب أن أوجز قليلًا عن أفكار ومفاهيم شباب أعرق حركة مجتمعية عراقية.

شباب الحركة الإسلامية يتربّون في صفوف الحركة منذ مرحلة الطفولة، مرورًا بالمراهقة، وحتى اشتداد عوده على كتب السيرة النبوية والفقه الإسلامي، إضافة لرسائل ووصايا الإمام حسن البنا المستوحاة من القرآن الكريم والسنة النبوية، باعتباره مؤسس الحركة الإسلامية في العصر الحديث، لكن هذه التربية لم تبق على نفس نتاجها في عصر العولمة والتسارع التكنولوجي، عوضًا عن أنه أيضًا عصر الحروب الدولية، الإقليمية والأهلية في العراق.

عاصر شباب الحركة الإسلامية سنوات الحصار الدولي على العراق خلال تسعينات القرن الماضي، وصعود النفَس السلفي في تلك الحقبة نتيجة لمواكبة السلفيين فكريًا للجهاد الأفغاني والشيشاني؛ ممّا أدى لاتساع التأثير على بقية المدارس الفكرية من غير السلفيين، مرورًا بأحداث ١١ سبتمبر (أيلول)، احتلال العراق، مقاومة الاحتلال، برك دماء الحرب الطائفية العراقية، تكفير وابتزاز التكفيريين الفكري، معتقلات السلطة ودولة المليشيات، انتشار «تنظيم الدولة» واستبداده. على جانب آخر، عاصر الشباب توجهًا كبيرًا وضغوطًا محلية ودولية نحو موائمة أفكار وأدبيات الحركة الإسلامية مع ضغوط الغرب لأجل علمنة الدين أو «لبرلته» على أقل تقدير، وسحب أفكار مثل الحاكمية، والمفاصلة من أمّهات كتبهم ومناهجهم.

نستطيع أن نقول إن شباب الحركة الإسلامية في العراق وُضعوا مبكرًا، منذ مطلع الألفية الثانية بين المطرقة والسندان، بين سندان متشددي الإسلاميين من خوارج و بغاة و بين مطرقة العلمنة واللبرلة على صور متعددة مثل «الأنسنة» – إن صحّ التعبير- والعولمة، بسبب هذه المعادلة وبعد عقد من الزمان نجد أن الشباب قد قُسّموا على ثلاثة أقسام:

– قسم خضع لابتزاز الاسلاميين المتشددين الفكري والمنهجي، فمنهم من جلس في بيته لا يريد إلا الحفاظ على عقيدته ورقبته من الوقوع في أمر قد أصبح شبهة بالنسبة إليه بعد أن أوهموه بابتزازهم، فمنهم من فضل الاعتزال، ومنهم من ارتمى في أحضان التشدد – وهم قليل – بسبب عوامل أخرى مهمة أيضًا، مثل الاستقطاب الطائفي، وضعف التمثيل السياسي لسنة العراق عمومًا والحركة الإسلامية خصوصًا.

– قسم آخر خضع لابتزاز العلمانيين المتشددين المصابين بالإسلاموفوبيا، أصبح من خضع لهذا النوع من الابتزاز تصيبه نوبات خجل من أفكار كان يتبناها، وينشد لها، مثل الخلافة، وإقامة الشرع، وما شابه ذلك، بسبب هذا صار يلبّس على نفسه أفكاره، فينزع الحدود الشرعية – على سبيل المثال – من إقامة الشرع، ويعلن أن لا مانع من تبني فكرة الوطنية القطرية الضيقة التي أعلنت فشلها بعد قيام ثورات «الربيع العربي» عليها، بدلًا من الخلافة أو الوحدة الاسلامية على أقل تقدير التي كان ينادي بها بشغف كبير قبل عقد من الزمن.

– قسم ثالث، لا يزال على ما كان عليه، مؤمنًا بالأفكار التي تربّى عليها، مثل الحاكمية، الخلافة، معاداة القومية و القطرية وغيرها من الأفكار التي تأسست الحركة الإسلامية لمواجهتها، وهذا هو القسم الاكبر من شباب الحركة، لكن هذا القسم من الشباب، وبالرغم من تمسكهم الثابت بهذه الأدبيات، إلا أنهم يعانون من مشاكل فكرية عميقة تجعلهم يغوصون في أمّهات الكتب لإيجاد حلول لها في ظل غياب القدوات التاريخية الفكرية للحركة بسبب الإغتيالات الجسدية والمعنوية المنظمة، أبرز هذه المشكلات هي موائمة هذه الأفكار مع العصر، فكلهم يؤمنون بالخلافة من ناحية المبدأ كجامعة للأمة على أمر سياسي واحد، لكن آليات الخلافة التي يعرفوها لا تناسب هذا العصر، ولا أحد يعرف شكل الآليات التي قد تناسب عصرًا متسارعًا نعيشه، هذا القسم من الشباب يكاد يكون الأكثر أذىً وحصارًا، فالذي مال للتشدد والتطرف يرى فيه مؤمنًا أضله الله من بعد علم، والذي مال لعلمنة الدين ولبرلته يرى فيه إنسانًا رجعيًا متخلفًا ما يزال يعيش في العصور الماضية، لكن في الواقع أن هذا القسم رفض أن يغادر مربعه تحت ضغوط وابتزازات الأفكار المنتشرة حولنا، يريد أن يغادر مربعه انطلاقًا من تجربته وأدبياته وليس انسلاخًا عنها، حيث يكون إنسانًا ذا فكر هلامي.

لذا، نستطيع أن نقول إنّ شباب الحركة الإسلامية في العراق هم شباب عاصروا أنماطًا مختلفة من التفكير ومدارس ومشارب متعددة، لا ينقصهم شيء، سوى أن يكون هناك من يأخذ بأيديهم إلى فكر متجدد بعيدًا عن تجاذبات السياسة اليوميّة، وابتزاز عالم الأفكار في عالمنا اليوميّ.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

العراق
عرض التعليقات
تحميل المزيد