ما أطيبك من بلد، وأحبك إليّ، ولولا أن قومك أخرجوني منك ما سكنت غيرك، نطقها سيد البشر عليه الصلاة والسلام، الذي لا ينطق عن الهوى، بعد أن تحمل أنواع الأذى والذل والهوان من قبل سكاني مكة، وعلى خضم هذا السياق يمكننا الجزم بأن الإنسان بغريزته الفطرية يهوى حبه لوطنه؛ لما يربطه به من مشاعر وجدانية، فهو شعور فطري ننمو ونكبر فيزداد حب الوطن في قلوبنا وعلى شرايين دمائنا يتحرك، فلا شيء يضاهي دفء الأرض التي ولدنا على ترابها، واستنشقنا هواءها، ونمت أبداننا من نعيمها وخيراتها، إلا أن الحياة لا تكتمل بكمال خيراتها فحسب، فلا بد من أمن يضمن لنا حقوقنا لتكتمل لنا مقومات الحضارة التي ذكرها لنا ربنا تبارك وتعالى في سورة قريش بقوله «الَّذِي أَطْعَمَهُم مِّن جُوعٍ وَآمَنَهُم مِّنْ خَوْفٍ»، فالحياة تكتمل بالاقتصاد والأمن فلا اقتصاد بلا أمن، والهجرة بلا اقتصاد وأمن.

وبما أن الشعوب العربية والأفريقية هي أكثر الشعوب هجرة إلى الخارج ابتداء من دول الخليج إلى أوروبا وكندا وأمريكا وما جاورها، فلقد أجرت شبكة البارومتر العربي البحثية المستقلة أكبر استطلاع للرأي في معرفة طبيعة الحياة لدى الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، حيث نصت الدراسة لصالح «بي بي سي» عربي أواخر عام 2018 وربيع 2019، أن أكثر من إحدى عشرة دولة حيث تم هجرة 25 ألف مهاجر إلى خارج أوطانهم، فيما خصت الدراسة أن عدد الشباب الذين تترواح أعمارهم ما بين 18- 29 سنة، حيث تشير الدراسة إلى أن المقصد الأول للمهاجرين هي دول الخليج، كما أن الساحل الغربي في ليبيا هو النقطة التي تمكن المهاجرين من الهجرة إلى إسبانيا عبر القوارب التابعة للمهربين مقابل أموال يتقاضونها، إلا أن المؤلم أن يكونوا هؤلاء الشباب وجبة للأسماك في البحار؛ نتيجة فشل هجرتهم الشاقة، وقد يطرأ تساؤل على القارئ الكريم في معرفة أهم الأسباب التي تدفع الشاب العربي إلى الهجرة، نسلط الضوء على أهمها على النحو التالي:

أولًا: البحث عن فرص العمل: يسعى المهاجر العربي مهاجرًا أهله وأحبائه ووطنه وراء لقمة العيش التي تضمن له ولعائلته حياة كريمة، وقصد الرزق الحلال لفتح مشروع لأبنائه أو من يعوله لضمان مستقبلهم، فمن الدول الأكثر هجرة مصر واليمن، وهذا المؤشر قد يكون بسبب الديمغرافية التي تتمثل بكثرة السكان فيها، فتجد ملايين العمال من هذين الدولتين في السعودية فضلًا عن بقية الدول الخليجية وأمريكا وأوروبا وكندا وغيرها من الدول المتقدمة، فينعكس ذلك إيجابيًّا على الدول المستضيفة لهذه الأيادي العاملة في نمو وازدياد اقتصادها، واكتساب مهارات جديدة من ذوي العقول الكبيرة في العلوم التطبيقية والإنسانية، وغيرها من العلوم.

ثانيًا: البحث عن الأمن والسلام نتيجة الحروب والنزاعات: فهما ركيزتان أساسيتان تكفل لكل مهاجر أن يعيش في بلد المهجر، وكأنه في بلده الأم، فتجد البلدان التي فتحت اللجوء الإنساني والسياسي لإخواننا في سوريا، واليمن، والعراق، نتيجة الحروب والنزاعات، فهي بلدان تحظى بالأمن والسلام وحقوق الإنسان، وتضمن لهم حق العمل، مثل كندا، وألمانيا، وتركيا، وأمريكا، وغيرها من الدول، والتي أعلنت حكومتها مؤخرًا استهداف قرابة مليون مهاجر خلال العامين القادمين، فبالنسبة لكندا تطمح أن تستقطب هذا العدد القابل للزيادة كي تغطي المساحات الشاسعة على أراضيها؛ خوفًا من طمع التوسع من قبل جارتها أمريكا، فالكتلة السكانية صمام أمان لها، وللدول التي تساويها في المساحة وقلة السكان، لذا تجد كبار السياسيين أو رجال الأعمال والمستثمرين، أو من له ثقل في مجتمعه، وهو مضطهد بسبب عرقه، أو لونه، أ ودينه، أو آرائه، أو معتقداته التي تخالف من له سلطة الحكم داخل وطنه، يلجأ في البحث عن اللجوء السياسي ليس إلا حفاظًا على نفسه، وتجنبًا للضغوط النفسية المجتمعية، وإتاحة الفرصة  على إبداء رأيه ضد مناهضيه، وهذا هو الحاصل في وقتنا الراهن لكبار السياسيين المضطهدين، فالحقوق وحريات الرأي والتعبير مكفولة لهم وفقًا لمواثيق الأمم المتحدة.

ثالثًا: السعي وراء جودة التعليم : هناك دول لها امتيازات في منح العديد من التسهيلات التعليمية خصوصًا للمتفوقين علميًّا، فالصين تستهدف آلاف الطلاب من جميع دول العالم في المنح السنوية المعلنة من حكومتها، ويزداد العدد عامًا بعد عام، كل هذا ناتج بسبب التسهيلات الإجرائية، من فيزة، ومقر دراسي مجاني، وراتب شهري مع التأمين… إلخ، تليها تركيا والمجر وغيرها من الدول والمنظمات الإنسانية والمدنية، ومنح التبادل الثقافي بين الدول بعضها وبعض.

رابعًا: العولمة: وبما أننا نعيش في عالم التكنولوجيا والتقنية الحديثة، وطفرة الذكاء الاصطناعي الباهر، أصبحنا وكأننا نعيش في غرفة واحدة، نتداول الأخبار، ونناقش المشكلات والحلول المتوقعة والمستقبلية، ونتطلع لكل ما هو جديد في هذا العالم؛ مما يسهل لنا اقتناءه بكل سهولة؛ نتيجة الحداثة الوفيرة غير المحدودة من قبل الدول الصناعية المتقدمة كالصين وأمريكا وألمانيا وغيرها من الدول، ونتيجة الإغراءات التي تقدمها هذه الدول للشباب المتطلعين لمستقبل باهر.

خامسًا وأخيرًا: الطموح والأحلام: الطموح والأحلام سمتان يسعى إليهما كل الشباب بتنافس قوي ومثير، وما من شاب إلا وله طموح وأحلام يسعى جاهدًا منذ أن يلتحق بالمدرسة حتى يتخرج من الجامعة، ولكن سرعان ما يفكر تفكير الكبار فيجول في باله أن التعليم الذي يضمن له بناء مستقبلة، هو التعليم الذي يواكب التكنولوجيا، وهو الذي تسعى إليه كل الشعوب والحكومات المتقدمة، وبناء على ذلك فلا باب سوى باب الهجرة للمواطن العربي الذي من خلاله يحقق حلمه المنشود الذي كان وما زال يراوده منذ نعومة أظافره.

وبهذه العوامل الرئيسية نكون قد سلطنا الضوء على أهم العوامل التي تدفع الشاب العربي إلى الهجرة، وفي الختام يجدر بنا معرفة النتائج أو الآثار المترتبة على البلدان التي يهاجر منها خيرة شبابها، فمما لا شك ولا ريب فيه أن الدول الفقيرة تزداد فقرًا بسبب نقص الأيادي العاملة، وانتشار الجرائم وزيادة نسبة الإناث، ونقص عدد السكان بذاته، وبالمقابل يزداد عدد سكان الدولة المضيفة فضلًا عن فقدان العقول النيرة من الدول التي يهاجر منها شبابها، وأما اجتماعيًّا فيحصل التفكك الأسري؛ وذلك ببعد أفراد العائلة عن أهاليهم، وفقدان الأبناء لحنان الأبوة التي يترعرع فيها كل طفل في مرحلة الطفولة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

الشباب, هجرة

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد