«الماضي ذكرى، والمستقبل رؤى وأحلام، أما الحاضر فهو يتقطر في الماضي قطرة قطرة حتى أننا لا نملك أن نتحكم فيه» قرأت تلك العبارة في رواية «وكان مساء»للأديب الراحل عبد الحميد جودة السحار، وقد عبر بها عن الأوقات التي نمر بها خلال رحلة العمر التي نحياها بكل تفاصيلها وتجعلنا نوقن أن الإنسان كلما تقدم في العمر، تضاءلت تطلعاته ورغباته، بل تكاد تنعدم تلك الرغبات ولم يعد يسعفه سوى التأمل فيما قد حققه والتحسر على ما قد فاته.

قصة الفيلم

صديقان مقربان يقضيان أجازة طويلة بأحد الفنادق الاستشفائية في سويسرا، ويستعرضان خلالها ذكرياتهما الشخصية بجانب الذكريات التي تجمعهما معًا، وعلى الرغم من اتفاقهما في العديد من الأمور كالتقدم في العمر وخفقان الذاكرة ومرض البروستاتا إلا أنها يختلفان في نظرة كل منهما للحياة.

الأول يدعى «فريد بالينجر» وهو موسيقار مشهور ومتقاعد عن العمل، يرفض عروضًا مغرية من أجل العودة لقيادة الأوركسترا، وترافقه بالفندق ابنته «لينا» التي هجرها زوجها من أجل الارتباط بأخرى، والثاني «ميك بويل» مخرج سينمائي يصحب معه مجموعة من تلاميذه الشباب لكتابة سيناريو فيلم جديد يختم به حياته الفنية.

يتواجد بالفندق أيضا «جيمي تري» وهو ممثل شاب يقرر قضاء عطلته في الفندق الاستشفائي لمراقبة كل من حوله من أجل استحضار شخصية جديدة يقوم بأدائها باعتبارها دورًا مختلفًا يؤثر في الجمهور.

شيخوخة الروح وصباها بين الماضي والحاضر والمستقبل:

الموسيقار «فِريد» إنسان بائس ومثير للشفقة رغم شهرته الكبيرة يرفض قيادة الفرق الموسيقية ويرفض أيضا تأليف كتاب يحكي سيرته الذاتية فهو يكره حياته المهنية التي أخذته من أسرته ولم يدرك ذلك إلا بعد مرض زوجته التي ضحت بالكثير من أجل الإبقاء على الحياة التى جمعتهما سويًا وقد أدى كرهه لحياته المهنية إلى كرهه للحياة بشكل عام فلم يعد لها قيمة كما لم تعد لمقطوعاته الموسيقية قيمة لديه على الرغم من وجودها عالقة دائمًا في أذهان عشاق الموسيقى، فما أهمية وجوده في الحياة طالما لا وجود له في ذاكرة زوجته التى أحبها وظلمها بتجاهله لها في كثير من الأوقات وهي تمكث مؤخرًا بالمشفى في شبه غيبوبة، هكذا يعيش «فريد» حياته زاهدًا في كل ملذاتها يشغل حاضره بذكريات الماضي ولا يكترث بالمستقبل. وعلى النقيض من «فريد» صديقه «ميك» الذي تطغى عليه روح الصبا أثناء العمل مع تلاميذه بصورة تجعلك تظن أنه أصغرهم عمرًا بسبب اندماجه معهم ولرغبته الشديدة في خوض تجربة عمل جديدة، ولكن تأتيه بطلة الفيلم «برندا» لتخبره بانسحابها من العمل معه وتصارحه بحقيقة قاسية، وهي أنه كلما تقدم في العمر قدم أفلامًا سيئة وأن حياته المهنية انتهت بالفعل، تصدمه تلك المصارحة القاسية فيختلى بنفسه ويستعرض أمامه جميع الشخصيات النسائية التي قدمها في أفلامه ويسترجع بهن ذكريات حياته الفنية التي يرثيها في هذا المشهد الرائع وتظهر «برندا» بين الممثلات ويرفع لها «ميك» القبعة شاكرًا لها مصارحته بالحقيقة المؤلمة بضرورة التقاعد عن العمل ولكن لم يستطيع «ميك» التعايش مع تلك الحقيقة، لأن العمل هو كل حياته وعندما يتخلى عن عمله ستصبح الحياة بالنسبة له مجرد أيام تنقضي بروتين ممل وهو لا يستطيع أن يعيش دون حياة مرنة فيقرر الانتحار على أن يعيش بروح مسنة.

اترك ذكريات الماضي ودع مخاوف الحاضر واقض ما تبقى من عمرك:

قد تختلف طبيعة كل شخصية في الفيلم عن الأخرى من ناحية المعتقدات والأحلام والطموحات إلا أنهم اجتمعوا على حقيقة ارتكابهم أخطاء كبيرة في حق أنفسهم فها هي «لينا» ابنة المايسترو التي يهجرها زوجها بعد أن كانت تكرس حياتها له وحده حتى تجاهلت نفسها تماماً وظنت أن الحياة كلها مختزلة في هذا الرجل فتتألم بعض الوقت لتعود وتري العالم بنظرة أوضح من ذي قبل وتفتح ذراعيها للحياة وتبدأ في استنشاق رائحة الحرية كما عبرت هي في أحد المشاهد.

كما يقر الممثل الشاب «جيمي» بأنه أخطأ حينما أجهد نفسه في مراقبه كل من حوله بالفندق لاستحضار شخصية يقوم بتجسيدها في حين أنه من المفترض أن يبحث عما ستقدمه الشخصية وليس طريقة أدائها.. من المفترض أن يروي رغبة الشخصية سواء كانت رغبة ممكنة أو مستحيلة أو رغبة نقية أو فاسدة المهم أن يروي الرغبة التي تجعل الإنسان على قيد الحياة.

أما المخرج «ميك» فكان خطؤه غير قابل للتصحيح، لأنه قرر الرحيل عن العالم حينما تخيل شكل حياته بعد التقاعد وأرعبه هاجس الروتين فلم يستطع التعامل مع حقيقة تقاعده سواء بالانصياع الحكيم لها أو بالرفض.

وأخيرا الموسيقار «فريد» الذي أدرك أن اعتزاله للعمل تضامنا مع زوجته المريضة لن ينفعها ولن يعيدها كما كانت بل إن تقاعده أدى به إلى شيخوخة روحه مع شيب شعره وتقدمه في العمر، وأدرك أيضًا أن الصبا ليس له علاقة بمرحلة عمرية معينة، ولكنه يجب أن يكون في الروح مهما تقدم السن وما دام في العمر بقية.

أداء يفوق التقييم من البطلين «مايكل كين- هارفي كيتل» تكاد تشعر أنهما لا يمثلان وإنما هذا مايسترو بحق وذاك مخرج سينمائي بصدق، ولكن المخرج الإيطالي باولو سورينتينو الذي تعرض بهذا الفيلم لفكرة شيخوخة الروح وصباها في الشخصية الشابة والمسنة جعلها مترجمة بواقعية على شاشة السينما لتعيش سمفونية درامية تعلو بالمشاعر من فرط متعة الاندماج فيها، جعلك تشعر في ساعتين براحة واستجمام ورفاهية تفوق الوصف، وكيف لا وأنت تعيش مع هذه الشخصيات بهذا المنتجع الاستشفائي الراقي، تدخل معهم غرفة الساونا عاريا كما ولدت، تمارس رياضة اليوجا لتطير في الفضاء، تستلقي على وجهك وتستسلم لأيادٍ رقيقة ناعمة تدلك جسدك المترهل، وتستمتع بعزف أرقى المقطوعات الموسيقية وأنت ترى أروع المناظر الخلابة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد