الحراقة ...

«الحراقة»، « زوارق الموت»، «البوطي»، «الهجرة غير الشرعية»، هي كلمات أو عبارات متداولة في الأوساط الشبابية المغاربية، والتي تدل على واقع واحد وهو مغادرة البلاد بطريقة غير شرعية في إطار ما يعرف بظاهر الهجرة غير الشرعية، التي يقصد بها مغادرة مواطن أو مجموعة بشرية خارج الحدود الوطنية بطريقة غير رسمية سواء عبر منافذ غير مرخص بها أو عن طريق تزوير بعض الوثائق الرسمية والمتعلقة بالسفر.

تتعدد المداخل التفسيرية لانتشار ظاهرة الهجرة غير الشرعية بين الأوساط الشبابية، فمنها ما يتبنى المدخل الاقتصادي لتفسير الظاهرة على اعتبار أن سوء الأوضاع الاقتصادية للدولة يؤثر بدوره على الفرد، إذ نجد فئة تنفرد بامتلاك الثروات وفئة مهمشة كادحة بالكاد تسير أيامها، وضع اقتصادي يتميز بالهشاشة يقوم أساسا على مورد واحد فمثلا: الوضع الجزائري الذي يبني سياسته على واقع ارتفاع وانخفاض سعر البترول فبمجرد انخفاض هذا الأخير خاصة خلال السنوات الثلاثة الأخيرة إلى بداية سنة 2018 والدولة تعيش على وقع سياسات التقشف التي ألقت بظلالها على الوضع المعيشي للفرد البسيط في إطار ما يعرف بالتضخم، إذ إن لتراجع أسعار النفط على الاقتصاد الجزائري، وانهيار قيمة العملة المحلية مقابل العملات الأجنبية، بما انعكس على القدرة الشرائية للفرد يعد مدخلًا أساسيًا لتفسير لجوء الشباب الجزائري خاصة لخيار الحرقة بدلًا من البقاء في البلاد.

كما لا يمكن فصل البعد السياسي ودوره في تشجيع الهجرة غير الشرعية لدى الشباب المغاربي، إذ ينظر عادة للنظام السياسي بأنه فاقد للشرعية ولا يعبر عن طموحات الأفراد وأهدافهم، ينظرون له بأنه نظام طامس للمواهب الشبابية يسعى فقط لبسط نفوذه من خلال مؤسسات أقل ما يمكن وصفها بالجمود إن لم نقل الفشل، أنظمة سياسية ارتبطت بولادة هؤلاء الشباب إلا غاية بلوغهم أو حتى تعديهم لسن الثلاثين من حياتهم في بعض هذه الدول، ومنها الحالة المغربية، وبمثال تقريبي فقط لوضع الشباب في المملكة المغربية يمكن تحليل هتافات أكثر من خمسين ألفًا من جماهير فريق الرجاء الرياضي البيضاوي المغربي التي تم تداولها في الكثير من وسائل التواصل الاجتماعي التي نادت بصوت واحد «في بلادي ظلموني»، وقد عبر الشباب المغربي عن سخطه من الحكومة التي قمعت كل مواهبهم وصبرهم في هذه الحياة «وتهديدهم الدائم بالسجن لمن يتعدى سلطة النظام الحاكم وغيرها من شعارات، يقول عباس محمود العقاد: (الأمة التي تحسن أن تجهر بالحق وتجترئ على الباطل تمتنع فيها أسباب الفساد)، لذلك ينفى إلى خارج البلاد كل من تحدث عن الفساد في أوطاننا العربية.

وهناك من يتبنى المدخل الاجتماعي في تفسير تنامي الهجرة غير الشرعية باعتبار حالة الاحتقان الشعبي والفساد المجتمعي الذي يعيشه المواطن خاصة في مختلف الدول المغاربية، على غرار الوضع في تونس، فالمتابع للحراك التونسي أو ما يعرف بثورة الياسمين يعي جيدًا أن بداية الثورة جاءت بعدما أحرق مواطن بسيط «البوعزيزي» نفسه أمام الملأ بعدما تم صفعه من قبل شرطية تونسية أرادت مصادرة عربته وبضاعته بمبرر أنه يبيع في مكان لا يسمح التجارة فيها وذلك في سعيه للعمل وكسب لقمة العيش، ضف إلى ذلك تنامي لمظاهر البيروقراطية و«الحقرة» باعتباره أحد أهم الأسباب التي تدفع بالشباب المغاربي لركوب زوارق الموت والاتجاه إلى بلاد أخرى قد يرى فيها العدالة وان غابت عنها مظاهر «الاسلام» على حد تعبيرهم.

واقع الأمر لا يمكننا تفسير واقع الهجرة غير الشرعية في الدول المغاربية نحو الضفة الشمالية من مدخل واحد وان هيمن أحدها على الآخر، كما لا يمكن نفي دور العامل الخارجي (وإن لم يكن يهدف إلى جدب المهاجرين غير الشرعيين) في تفسير زيادة حالات الحرقة خاصة في النصف الأخير من السنة الحالية 2018، فعلى سبيل المثال تمكنت قوات حرس السواحل الجزائرية بولاية عين تموشنت «شمال غرب الجزائر» من إحباط محاولتين للهجرة غير الشرعية وتوقيف 48 مهاجرًا غير شرعي في شهر نوفمبر (تشرين الثاني) 2018 بعرض البحر ضمنهم خمسة أطفال أحدهم لا يتجاوز عمره ستة أشهر وثلاث نساء (المصدر صحيفة اليوم السابع المصرية الإلكترونية)، وتم تداول قبل أيام في الأوساط الإعلامية الجزائرية (منها قناة النهار الاخبارية) خبر اختفاء 13 شابًا جزائريًا تأكد موت ثلاثة أشخاص منهم ينحدرون من حي رايس حميدو بولاية الجزائر العاصمة كانوا على متن قوارب الموت متجهين إلى مدينة سردينيا الإيطالية.

وقد يجمع مختلف الباحثين السياسيين والاجتماعيين وحتى الأشخاص العادين ممن عايشوا حالات للهجرة غير الشرعية، على أن الفرد الذي يعاني من مشكلات اجتماعية واقتصادية وسياسية في وطنه بالمقابل يرى من في الغرب يعمل على احترام الفرد وتحسين وضعيته الاجتماعية والاقتصادية بما يسهل سبل عيشه وهو الملجأ لحل أزمته التي يعيشها في بلده الأصلي، ويجعل المواطن البسيط أمام فرضية رئيسية تقوم مرتكزاتها على مغادرة البلد الأصلي نحو بلد يحترم الفرد ويصون كرامته، دون الأخذ في الحسبان الطريقة التي يتخذها للمغادرة أو للاستقرار في تلك البلاد المستقبلة، ذلك إن استطاع الوصول والمغادرة من الأساس.

عادة عندما يحاول الباحث السياسي طرح موضوع معين ومناقشته بطريقة أكاديمية أول ما ينبغي تفاديه في التحليل عنصر الذاتية، وشخصنة بعض المتغيرات التي قد تؤثر على التفسير للموضوع، لكن الموضوعية لوحدها في بعض الحالات لا يمكنها تحليل الواقع الراهن الذي نعيشه، عندما تعيش في دولة تقوم على أساس «الحقرة» أو ما يعرف بالبيروقراطية فلا يمكنك الفصل بين الذاتية والموضوعية، إذ إن إشكالية الحراقة وان تعددت المداخل المفسرة للظاهرة فإنها ترتبط بسوء الأوضاع التي يعيشه الشباب المغاربي، سواء في تونس، الجزائر أو المغرب فالوضع نفسه وان اختلقت درجاته، وضع يهيمن عليه الحقد والكره لكل ما هو مرتبط بالسلطة والنظام الحاكم، فالشباب الذي يعتبر أساس قيام الدولة وتطورها اليوم في هذه الدول هو عالة أكثر من أداة للتنمية، عندما يفوق الشباب سن 30 سنة ولا يملك منصب عمل دائم محترم ويكفيه لتكوين أسرة، عندما يكون شباب في عمر الزهور يتناولون المهلوسات بأشكالها لنسيان واقعهم وما سيكون عليه مستقبلهم، عندما يعاني طالب جامعي من إشكالية التهميش والتسلط ممن فوقهم أو يفوقهم مرتبة علمية، عندما يعجز والد على دفع فاتورة الكهرباء والماء والكراء والهاتف والإنترنت…، عندما تعجز أرملة أو مطلقة على كفالة أولادها ماديًا وحتى معنويًا جراء ما تعانيه من مشكلات يومية، عندما يعاني الأطباء والأساتذة من تدني رواتبهم وسوء أوضاعهم ويقابلون بالضرب والسجن، عندما يعامل المغني والممثل ( بعيدا عن شخصيات الفن المحترمة) كأنهم نخبة النخبة، عندها سيكون «البوطي» هو الحل، وقتها لن يكون حكرًا على فئات شبانية معينة بل سيعني الجميع مثقف وغير مثقف، وان كان فقط شكل الحرقة «الهجرة غير شرعية» مختلفًا.

نعاني في بلداننا العربية وبالأخص المغاربية من سوء في التفكير والتسيير، نعاني من استشراف لما سيكون، نعاني من أكبر اشكالية قد تمس الأنظمة الحاكمة وهي إشكالية «الفساد»، وإذا صلح القائد فمن يجرؤ على الفساد؟ يقول كونفوشيوس، هذه الإشكاليات تدفع بالشباب للغرق على النجاة في بلاد أقل ما يمكن أن توفر لهم مسكنات يومية لأوجاعهم وتعاستهم، وفي اليوم الذي تستفيق من هذا الكابوس ستجد حياتك قد انتهت إما بالجنون أو الانتحار أو في المؤبد.

إن توصيف الأزمة وسرد تفاصيلها لا يفيد الباحث أو القارئ في شيء، لذلك لا بد من تبني حلول واستراتيجيات عملية لتجاوز خطاب الأزمة في هذه الدول، فعلى حكومات الدول المغاربية مناقشة ترتيبات ومخلفات تصاعد اشكالية الهجرة غير الشرعية إلى الدول المجاورة خاصة الأوروبية منها «فرنسا، إيطاليا، إسبانيا وألمانيا»، لأن هذه الإشكالية باتت تؤرق الدول الأوربية وتؤكد عليها في العديد من المناسبات وقد تم طرح الموضوع للنقاش من قبل الوزير الأول الجزائري أحمد أويحي ورئيس مجلس الوزراء الإيطالي جوزيبي كونتي خلال ندوة باليرمو التي حضرتها السلطات الإيطالية حول ليبيا شهر نوفمبر 2018، والتي أكد فها الوزير الجزائري على سعي حكومته لإيجاد صيغة لعودة المهاجرين الجزائريين غير الشرعيين والتكفل بهم، في وقت ينتظر من حكومته التكفل بهؤلاء قبل وقوع الكارثة.

إن تبني استراتيجية واقعية تقوم على أساس إتاحة الفرص للشباب المغاربي للابتكار ورفع التحدي في مختلف الميادين من شانها التقليل من حدة ظاهرة الهجرة غير الشرعية، كما أن إقامة أنظمة ديمقراطية تقوم على أساس التعددية وفتح المجال أمام الأحزاب والجمعيات المعارضة لتقيم عمل الحكومة باعتبارها تعبر عن احتياجات المواطنين قادرة على تقريب المواطن من صانع القرار بما يخلق حالة من الثقة بين الحاكم والمحكوم وإضفاء الشرعية على نظام الحكم القائم، أما في المجال الاقتصادي فدفع عجلة التنمية المستدامة بوجود حكم رشيد بعيدًا عن مظاهر الفساد والبيروقراطية يأخذ في الحسبان مكانة الشباب باعتبارهم الفئة الغالبة في المجتمع يفتح المجال أمام الاستثمارات المباشرة وخلق مشاريع مدعمة من قبل الدولة تفيد القطاع الاقتصادي وتنميه، وفي مستوى آخر تمنح مجالًا للشباب بدخول عالم الاستثمار وتكوين مؤسسات خاصة يجعل من كلا الطرفين في علاقة تبادلية (الاعتماد المتبادل).

هذه المظاهر قد تخفف نوعًا ما من حالة الاحتقان لدى الشباب المغاربي وتبعده عن مختلف الآفات الاجتماعية على غرار انتشار لمظاهر الجريمة والمخدرات والتسرب المدرسي، وتبعده أكثر عن زوارق الموت، غير ذلك ستعاني هذه الدول من مخلفات تهميش الشباب المغاربي ولن يبقى الأمر متعلقا فقط بظاهرة الهجرة غير الشرعية، بل ستكون له مخرجات على النظام القائم وتتفاقم الأوضاع الداخلية ويكون الحل منحصر بين وسيناريوهات:

السيناريو الراجح: إما طرح فكرة إسقاط الأنظمة وتغيرها وقد لا تأتي بنتيجة، لأنه حتى الأنظمة الجديدة ما هي إلا تغيير في الوجوه وليس في الأوضاع.

السيناريو التحولي :أو تزداد حركة الهجرة غير الشرعية بشكل أكبر مما عليه في المرحلة الحالية، وينظر عندئذ للنظام القائم بأنه نظام سياسي فاشل وقد تصبح إشكالية الهجرة غير شرعية أحد مظاهر الدولة الفاشلة التي تعبر في مفهومها عن وجود موارد في الدولة لكن تغيب عنها كل مظاهر الإدارة الرشيدة، وفي علم العلاقات الدولية تصبح الدولة الفاشلة مصدرًا للتهديد بما يستدعي آليات دولية وأممية لمواجهة هذه التهديدات ويطرح عادة خيار التدخل الخارجي لمعالجة هذه الإشكالية، وهنا تفقد الدولة شرعيتها على المستوى الداخلي والدولي، وهذا الخيار يعد من أسوء الخيارات التي قد تواجه الدول خاصة العربية منها، لذلك لا بد من تبني خيارات واستراتيجيات قادرة على خدمة الشباب المغاربي ومحافظة على أمن واستقرار كيان الدولة في حد ذاته.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

مجتمع
عرض التعليقات

(0 تعليق)

أضف تعليقًا

هذا البريد مسجل لدينا بالفعل. يرجى استخدام نموذج تسجيل الدخول أو إدخال واحدة أخرى.

اسم العضو أو كلمة السر غير صحيحة

Sorry that something went wrong, repeat again!