فرصة التطور الديموجرافي أو ما يعرف بالبلد الشاب حينما تصبح نسبة السكان بين 15 و40 سنة هي الأكثر في هرم السكان هي فرصة حقيقية للتنمية في ظل نمط اقتصاد منفتح. وهي فرصة لتغيير بنية الأعراف والتقاليد السائدة على اعتبار أن الشباب بطبيعته يتمرد على السائد، ويكرس عادات جديدة غالبًا ما تكون أكثر طموحًا للحرية الجماعية والفردية. ويعرف مبادرات اقتصادية يجب أن تلقى بيئة ودعمًا ماديًّا ومواكبة تقنية ومالية لنجاحها.

فإذا كانت أوروبا قد عرفت طيلة القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين تطورًا ديموجرافيًّا، حين تضاعف عدد الساكنة، فقد تمكنت من تحقيق تنمية حقيقية وخلق مجتمع صناعي واكبه تحسين وضعية العمال والفلاحين وتأهيل قطاع الصحة وقطاع الخدمات الاجتماعية بصفة عامة، مما أدى إلى استمرار نسبة التزايد الطبيعي طيلة قرن من الزمن، ورغم ما تعرفه الآن من انتحار ديموجرافي فإن مستوى التقدم الاقتصادي مكّنها من أن تصير الوجهة الأولى للهجرة عبر العالم، وهي بذلك تتغلب على المشكلات الديموجرافية وتخلق نمط عيش وتسوقه لدول منبع الهجرة؛ مما يمكنها من خلق أسواق دائمة لمنتجاتها.

وبالعودة إلى المغرب، فإنه وحسب الإحصائيات الأخيرة للمندوبية السامية للتخطيط، فقد انخفضت نسبة الخصوبة وتراجعت نسبة الشباب أقل من 15 سنة من 46.8 إلى 28.3 في 2018 مع استقرار نسبة السكان النشطين عند 56%، مع هذا التحول نتساءل: ماذا حققنا خلال القرن العشرين وبداية القرن الواحد والعشرين؟ أي الفترة الديموجرافية الذهبية للمغرب، والفرصة التي يجمع الجميع أنها فرصة ضائعة حقيقية، يعترف بها الجميع، بما فيهم المنظمات الدولية، أننا حققنا نموًّا اقتصاديًّا في مجالات محدودة، ولم تنعكس على الخدمات الاجتماعية المقدمة للمواطنين في الحواضر والقرى، وإذا كان مختلف الدارسين الديموجرافيين، وعلى رأسهم مالتوس، يعدون استغلال الرأس المال البشري في التنمية رهينًا بوجود رأس مال مؤسساتي متطور بالتوازي مع الرأس المال الاجتماعي (الثقافة، التعليم، النقل، الخدمات الاجتماعية).

راكمنا الفشل تلو الفشل طيلة قرن. فشل مخططات التنمية، وعدم فاعلية المؤسسات الرسمية، وعدم بلورة مفهوم الحوكمة من الدسترة إلى الممارسة، في ظل غياب المحاسبة على المستوى الثقافي، صراع تحرير الفضاء العام وحرية التعبير ما يزال قائمًا، وغابت آليات الوساطة بين السلطة والمجتمع.

على المستوى الاقتصادي راكمنا فقط استغلال الشباب في جلب الاستثمارات الخارجية وترويج وجود يد عاملة رخيصة في ظل انعدام فرص الشغل التي يخلقها الاقتصاد الوطني، وعدم مغامرة البرجوازية الوطنية بالاستثمار في الصناعات التي تعرف منافسة ويعد الدخول إلى غمارها مغامرة اقتصادية.

يجب اعتبار الشباب قوة محركة للاقتصاد الوطني من خلال تشجيع المبادرة وخلق مؤسسات رسمية تواكب أفكار الشباب، فقد فشل برنامج «مقاولتي» وفشل برنامج «التنمية البشرية»، إذ ساهمت في تكريس منطق مقاولات البطالة المقنعة الاستهلاكية بدل المقاولات الصغرى الإنتاجية، إن ما يجب دعمه من أجل خلق نفس جديد للاقتصاد الوطني هو المقاولات الصغرى الإنتاجية وليس الخدماتية والتسويقية.

ومع ضياع 70% من فرصة التطور الديموجرافي، فإن فترة التحول الديموجرافي تعد كذلك مساعدة للتنمية لو تمت بلورة مخطط اقتصادي بمقاربة تشاركية تستهدف استفادة جميع المغاربة من ثروات وطنهم، هذا المطلب الذي ما يزال المطلب الاقتصادي الأول منذ بذور الاستقلال، هذه الاستفادة تكمن في توفير خدمات اجتماعية جيدة للمواطنين، والتعويض عن البطالة بالنسبة للخريجين، ومساعدات مادية للعائلات التي في أوضاع صعبة.

إن الدولة المغربية نهجت سياسة القروض طيلة أكثر من نصف عقد؛ إذ إنها دائمًا تعاني من أزمة مالية، نظرًا إلى عدم انتهاج المبدأ المالي العام: «البحث عن الأموال حيث توجد»، فالاختيار الإيديولوجي لليبرالية الاقتصادية، وفي ظل سياسة الامتيازات (لاكريما)، تضيع على الدولة أموالًا طائلة كل يوم.

مثال بسيط لو جرى العمل بطريقة الوكالة المحلية للنقل بالنسبة للنقل العمومي فقط، فعليكم أن تتخيلوا حجم مداخل الجماعة اليومي، وكم منصب شغل يمكن أن تخلقه الجماعة؟ من خلال تلك العائدات، فأول مراجعة يجب أن تعتمدها الدولة هي أن تنهي سياسة الامتيازات، وتعود إلى اختيار الدولة الفاعلة اقتصاديًّا، بدل اختيار الدولة الدركية، مع الحفاظ على اقتصاد السوق المفتوح محليًّا.

تعرف مدن استقبال هجرة الداخل، مثل الدار البيضاء، وطنجة، والقنيطرة، ومراكش، وأكادير، ووجدة، مشكلات حقيقية في التسيير الجماعي، يساهم في ذلك قلة خبرة المنتخبين المحليين، تعدد الفاعلين في المحيط المحلي بين الإدارات المركزية، مخططات الحكومة والإدارات اللامركزية، مخططات الجهات والعمالات، ومخططات الجماعات المحلية.

هذا الاختلاط يؤدي إلى تعدد الميزانيات، مما يعيق منهج الحكامة المالية، وتعثر مجموعة من المشروعات بعدم وفاء أطراف المشروعات بالواجبات المالية، وهنا نتساءل: ما الدور الذي يجب أن يلعبه القطاع الخاص في التنمية المحلية كشريك للقطاع العام مع دوره الرئيس محركًا للاقتصاد؟

انتقلت ساكنة المدن إلى ما يقارب 62%. رقم يدق ناقوس الخطر  حول مستقبل القرية المغربية من ناحية مدى توافر اليد العاملة في المجال الفلاحي، فأغلب المقبلين على الهجرة من الساكنة النشيطة، وبالتالي فتحسين وضع الفلاح المغربي رهان استمرارية قطاع الفلاحة، فما عليك إلا أن تقوم بجولة صباحية في اتجاه الضيعات الفلاحية حتى تلاحظ الوضع غير الإنساني للعاملات والعمال الفلاحين، انطلاقًا من النقل، إلى ساعات العمل، إلى الأجر.

عصرنة القطاع بنسبة 100% مهمة، وتأخر فيها المغرب كثيرًا. ويجب دعم المقاولات الفلاحة الصناعية الشابة، وتأهيل المجال القروي، وفتحه على آفاق الترويج السياحي من خلال برامج السياحة التضامنية، والسياحة الثقافية، والسياحة الطبية.

ويظل مؤشر إدماج الشباب في المجتمع سلبيًّا حسب التقارير الأخيرة للبنك الدولي واليونسكو، وباتفاق مختلف الفاعلين المحليين، من منظمات دولية وهيئات المجتمع المدني، هذا الاشتراك يتطلب وعيًا مجتمعيًّا بأهمية تحميل الشباب المسؤولية في مغرب اليوم، والانتقال من اعتبار الشباب مجرد فئة مستهدفة في مخططات الدولة إلى الاشتغال مع الشباب منذ المراحل الأولى للتخطيط، وإلى تنفيذ الانتقال من البيروقراطية إلى النقاش العمومي كآلية لإبداع الاستراتيجيات والسياسات العمومية.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد