تشرف نشرة الأخبار على الانتهاء، ولم يتبق سوى أن تذكِّر المذيعة مشاهديها بالعناوين المختومة بخبر عن قيام أحد زعماء القارة السمراء بحل البرلمان في بلاده، تفاصيل الخبر غير معلومة، لكن أحد المشاهدين يستبشر بعنوانه العريض قائلًا: هذا جيد فهم يأخذون راتبًا معتبرًا دون أن يقدموا شيئًا للبلاد. إن هذا الرد يثير الدهشة؛ لأنه يُفهم منه أن صاحبه يَحسَب حلَّ البرلمان إلغاءً تامًا له (وكأن الأمر ممكن حقًا)، لكن رده العجيب يولد عددًا لا يحصى من علامات الاستفهام عن مدى استيعابه لمفهوم السلطة التشريعية، ودورها وآليات تشكيلها، وطبيعة عملها.

وفي مشهد مغاير يستنكر شخص آخر قول سياسي معروف، ويستغرب جرأته فيه، ثم يتساءل عمن حوله لإبداء مثل هذا الكلام، فيأتيه الجواب أنه من العادي أن يصدر مثل هذا الكلام عن أتباع المدرسة الليبرالية، لكنه يقاطع متعجبًا ما المقصود بالمدرسة الليبرالية؟ رد مدهش آخر: فهذا المحافظ (وهو ربما لا يدري كونه كذلك) لا يدرك – أكاديميًا على الأقل – مفهوم الليبرالية، كما أنه لا يستسيغ أن يبدي رئيس حزب له عدة مقاعد في البرلمان رأيه.

المشهدان السابقان حقيقيان والمفارقة لمن يعرف بطلاهما أنهما – كالكثيرين – يقابل تعاملهما السطحي حد السذاجة مع أدوات السياسة التعاطي بشكل عميق مع منافسات كرة القدم.

إن مناصري كرة القدم يفقهون قواعد اللعبة وتفاصيل قوانينها، ويبلون البلاء الحسن في تحليل مدخلاتها بعمق، ويحسنون توقع مخرجاتها، وقد يجزمون بنتائجها أحيانًا، ولكن بالنسبة للعديد منهم يقابل ذلك سطحية فجة في تناول الواقع السياسي، بالرغم من كون الأولى مجرد لعبة، والأخير واقعًا معاشًا يحدد المصائر!

هؤلاء يعلمون أن في الكرة مدارس متنوعة، فمدرسة لها باع في المهاريات واللعب في المساحات الضيقة وثانية تشتهر ببذل المجهود والتدخلات الخشنة وثالثة تنتهج الدفاع ورابعة تُعرف بالاندفاع نحو الهجوم… ولكن تجد الواحد منهم لا يفرق بين الطيف السياسي الذي تكشله الطبقة السياسية في بلاده ومدارسهم الفكرية وتحيزاتهم الإيديولوجية واصطفافاتهم الاستراتيجياته، ولعله لا يميز بين الخطاب اليميني واليساري إجمالا.

إنهم يفهمون بعمق أن نصرًا فيه تحايل على القواعد ليس نصرًا شرعيًا، ولن يقبلوا بأية حال من الأحوال هدفًا دخل المرمى إثر لمسة يد، ولكنهم لا يعترضون على قرارات غير قانونية أو تخالف دستور البلاد ويسلمون لها، والسوابق في هذا الباب كثيرة لا تحصى حتى طغت المنطقة الرمادية بين السلطة الشرعية وسلطة الأمر الواقع، ولم يعد يمكن التمييز بينهما.

إنهم كخصوم يتفقون على صلاحيات حكم المباراة ونفاذ أحكامه ويلزمونه كل الإلزام بالحيادية التامة مقابل التزامهم بإقرار قراراته، ولكن تلك النزعة في تحقيق الإنصاف تتلاشى عندهم، وتغيب الرقابة إذا تعلق الأمر بأداء جهاز العدالة، وقد يتعدى الأمر إلى التهليل لأحكام قضائية انتقامية تنتهك روح القانون لأنها توافق هواهم.

تجدهم يستنكرون بشدة تدخل مسيري ناديهم المفضل في خيارات طاقمه التقني ويفصلون بشكل جلي بين صلاحيات كل طرف، ثم لا يأبهون لتغول السلطة التنفيذية في البلاد على غيرها من السلطات، ومنهم من يعجز عن تسمية السلطات الثلاث، أو دور كل منها، مثلما يفرق بين الخطوط الثلاث في تشكيل فرق كرة القدم.

إنهم يدركون كل الإدراك أن منتخبًا وطنيًا لن يحقق النتائج المرجوة، إلا إذا كان معيار اختيار لاعبيه مبنيًا على الكفاءة والجاهزية، ولو أن مديرًا فنيًا مارس المحاباة مثلًا لأقاموا عليه الدنيا ولم يقعدوها، ولكنهم ينسون أن اقتصادًا وطنيًا أحوج إلى ميزان الكفاءة ومنافحاتهم العنترية على من يحاول العبث فيه.

إنهم يجزمون أن الندية الحقيقية لا تكون بالشكل، ولكن بالمضمون والأداء الملموس على أرض الواقع، وسيسخرون من قائل أنه لا فرق بين أي فريقي كرة قدم مادام كلامها بـ11 لاعبًا، منهم حارس مرمى، وخط في الدفاع، وآخر في الوسط، ومهاجمون في العمق، ولكن في نفس الوقت يتوهمون الندية في رد استعراضي لمسؤول على نظيره في دولة أخرى، بالرغم من أن واقع دولة الأول في حالة تبعية اقتصادية لدولة الأخير مثلًا، ويهملون كون الندية الحقَّة تكمن في الأداء الاقتصادي للدولتين في هذه الحالة، وليس في التصريحات الجوفاء للنظراء وتماثل المناصب شكليًا.

إنهم لا يشككون لوهلة أن نصر فريق ما تصنعه الجماعة بمدى قدرتها على التنسيق واللعب الجماعي المنظم والانتشار الجيد في الملعب، وأن الفرديات لا تحدث الفارق إلا استثناء عن القاعدة، ولكن يعجزون عن إدراك ضرورة هيكلة مؤسسات الدولة وتوزيع السلطات لتحقيق النهضة فيعلقون الآمال على القائد المخلص ويبنون الأماني على الزعيم المنتظر ليصنع أمجادًا وبطولات.

إنهم يستوعبون الفرق بين أهمية إحراز هدف في الشباك والانتصار في مباراة وتحقيق البطولة، ومرتبة كل منها وكذا العلاقات الشرطية بينها، وكيف أن إحراز أهداف لا يعني بالضرورة الفوز في مباراة، وأن خسارة مباراة لا تعني لزومًا ضياع البطولة. ولكنهم يخلطون أبسط الأولويات إذا تعلق الأمر بتقييم المخرجات السياسية للأحداث، ويقعون فريسة سائغة لأبسط مغالطات دجالي السياسة.

قد يستنكر البعض الدعوة إلى الاهتمام بالسياسة ومقارنتها بغيرها من المجالات كالرياضة، وللرد عليهم يمكن توظيف المثال الذي يحكى فيه أن فَتًى نادى والده مخبرًا أن لصًا في البيت، فخاف الرجل على سلامة ابنه، وحاول منعه من التهور طالبًا منه أن يتركه، لكن الفتى لم يجد بدًا إلا أن يرد بقوله لو تَرَكَنا اللِّص لتركناه. وهذا ينطبق على الاهتمام بالواقع السياسي، فلو تركتنا السياسة لتركناها، ولكن السياسي هو من سيسن قانونًا للأسرة يحدد العلاقة بين المرء وزوجه وأبنائه، وهو الذي يصادق على قانون المالية المترتب عنه الوضع الاجتماعي للناس وقدراتهم المعيشية، وهو الذي يحدد مصير الجماعة الوطنية بسياساته الخارجية وقراراته الداخلية.

إن الطبيعة لا تحتمل الفراغ وكل اعتزال للجيد يعوضه السيئ، ثم إذا غاب الأخير حلَّ الأسوأ، وإن الاعتزال في أي مجال، رياضيًا كان أم سياسيًا لا يكون إلا في الممارسة، وليس في الاطلاع والرقابة الدائمة، وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ.

في مباريات المنتخب الجزائري الأخيرة المتزامنة مع وجود البلاد في مرحلة انتقالية، ارتفع شعار رمزي من بعض الأنصار يطالب باستبدال الناخب الوطني مكان رئيس البلاد المؤقت في تعبير على الاحتجاج على الأخير والامتنان للسابق، لكننا لا نحتاج إلى أن يصبح مدرب المنتخب رئيسًا للدولة بسبب إنجازاته؛ لأن ذلك نقل للرجل المناسب من مكانه المناسب إلى مكان غير مناسب، فيخلو المكان الأول ويفسد الثاني، إن ما نحتاجه ببساطة أن يفهم المناصر أن عليه السعي ليكون مواطنًا حقيقيًا، على الأقل مراقبًا للوضع السياسي بدرجة عمق انخراطه في تتبع أحداث الرياضة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد