لا أعتقد أنه سيمر جيل بما يمر به الجيل الحالي من أزمات تعصف بهويته وتفكيره ومكونات شخصيته، تعود جذور الأزمة إلى الجيل السابق الذى عانى الأمرين، حيث شهد على تحولات اجتماعية وسياسية واقتصادية على مدى نصف قرن.

 

 
جيل عاش وعاصر كل حروب مصر الحديثة, جيل كسرته الهزيمة أو ما يسمى بالنكسة, وذاق فخر النصر فى 73, هذا الجيل تم صبه وصقله بداية بما يسمى ثورة 52, ارتبط ارتباطا وثيقا بشخصيات هذه الثورة، وأعطى قادتها صكوك الغفران حتى عن الأخطاء التى اعترفوا بارتكابها، وعرضوا تحمل مسئوليتها.

هذا الجيل تم تشكيله كما يشكل الصلصال عن طريق إعلام موجه ومركز فى أيدى قادة الثورة. فاعتقدوا وما زالوا حتى الآن، إن كل ما يذكر فى التلفاز هو حقيقة لا تقبل الشك، ومن منا لم يسمع عبارة: “ده قالوا كدا فى التلفزيون”. ساهمت هذه العملية، والتى تعتبر أكبر عملية غسيل مخ فى تاريخ مصر في أن يضع أبناء هذا الجيل الجيش وقادته فى مكانة أصبحت تتعدى مكانة الأنبياء.

فعندما تتحدث مع أحدهم عن فساد أو خيانة تجد الجواب الجاهز: “ده الجيش عارف يعنى إيه الجيش؟” وأصبحت أفعال هؤلاء القادة فوق الحساب، وفرمانات لا تقبل التشكيك. حاول هذا الجيل نقل هذه الصورة المقدسة إلى أبناء الجيل الحالي فجعلهم يتمنون ارتداء البزة العسكرية, فكم منا شاهد حفلات تخرج الكليات العسكرية، ولم يتمن فى نفسه أن يكون بين هؤلاء الأبطال مفتولو العضلات الذين يتخطون الحواجز ويقفزون بداخل النيران ويحملون السلاح .

ارتبطت صورة الجيش فى عقول جيلنا بالمقاتل الذى يحمل المدفع الذى يزن مئات الكيلوجرامات كالطفل الصغير ويصعد به أكبر حاجز ترابي فى التاريخ؛ ليرفع علم مصر صارخا: “الله أكبر”، ويتلقى هذا الجندي رصاصات الغدر، فيسقط شهيدا، ويكتب أصدقاءه بدمائهم كلمات النصر على العلم، لتنزل دموعنا حزنا على الشهيد وفرحا بالنصر.

فى بداية طفولة هذا الجيل لم تكن وسائل التواصل بهذا الشكل الموجود الآن، فكان التليفزيون هو المصدر الوحيد للترفيه، فرسم هذا الجهاز صورة وردية عن الفنانين وحياتهم، ولم يكن أحد منهم يتكلم، إلا عن أعمالهم القديمة والسابقة, ولا يدلي بآرائه فى أي شيء .

مع بداية الألفية الجديدة بدأ الانترنت فى الانتشار تدريجيا، وقام أبناء هذا الجيل بفتح قنوات تواصل مع العالم الجديد من حولنا، وتراخت قبضة التلفيزيون الحكومي المسيطر, ومع هذا الانفتاح تطلعنا إلى حياة أفضل، وتساءلنا لماذا يحدث ما يحدث؟

وفى رحلة بحثنا عن الأجوبة اصطدمنا فكريا مع أبائنا , حيث إنهم لم يتعودوا أن يسألوا أسئلة مصيرية تتعلق بمستقبل الدولة، فكل همه كان أن يكون أبناؤهم أفضل منهم, ورضوا بالأمر الواقع, وحاولوا إقناعنا بأن هذا الحال هو الأفضل .
تبدأ الأزمة بعد ثورة 25 يناير وسقوط كل الأصنام بأنواعها وظهور كل شيء على حقيقته, وتختفى هنا الصورة الوردية التى رسمت فى عقولنا عن الجيش, فوجدناه يستخدم سلاح الشعب فى ترويع البناء الوطن الواحد, ويقوم بتفضيل فصيل عن فصيل بناء على اختلاف أفكار ومناهج.

وسقط قناع الفن وظهرت سطحية وضحالة تفكير معظم هؤلاء المدعين للقيم والفضيلة , وجاء من قام بدور ديكتاتور عسكري بإحدى مسرحياته ليبارك انقلابا قام به ديكتاتور آخر. وتسقط آخر أوراق التوت مع سقوط مدو لمن يفترض أنهم يحملون الدين بين أضلعهم لنجدهم يقفون بجوار القتلة ويساندوهم, ويبرئوهم من الدماء التى سالت وما زالت تسيل, ويسوقون لهذا الغرض الأدلة الدينية والفقهية.

 

 
مع السقوط المتتالي والسريع لهذه الثوابت تجد جيلنا يعيش أزمة حادة, فلا تتعجب من ازدياد كمية الملحدين, وإعداد الذين يفكرون فى الهجرة بلا عودة, وازدياد كمية اليأس والإحباط بين الشباب. ولكنى على يقين أن هذا الجيل سيشهد يوما ما وطنا يجد فيه ما يبحث عنه, وستزول آثار هذا الانقلاب آجلا أم عاجلا, وسنتندر على هذه الأحداث, ونذكر شهداءنا بالرحمة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

أفكار, ثورة, مجتمع
عرض التعليقات
تحميل المزيد