لم يكن فى مخيلة جاود كريم Jawed Karim وستيف شين Steve Chen وشاد هيرلى Chad Hurley وهما فى جلسة عشاء فى بيت أحدهم أن الفيديو الذي قاموا بالتقاطه في هذه الليلة العادية سيكون سببًا في بلوغ شهرتهم الآفاق.. فعندما باءت محاولة إرسالهم لمقطع الفيديو عبر الإنترنت – حيث إنه لم يكن متاح وقتها إرسال مقاطع الفيديو إلا عبر الإيميل – جاءتهم فكرة إنشاء موقع يوتيوب YouTube الذي أصبح الآن ثاني موقع على مستوى العالم بعد موقع جوجل حسب ترتيب أليكسا Alexa.

مما لا شك فيه أن موقع يوتيوب الآن قد أصبح من المواقع الهامة والأساسية لأغلب مستخدمى شبكة الإنترنت لما يحويه من آلاف الفيديوهات في شتى المجالات المختلفة، والتي تسجل مليارات المشاهدات من قبل مستخدميه الذين تجاوز عددهم حسب إحصاءات موقع يوتيوب المليار مستخدم من جميع دول العالم نظرًا لتوفره بـ76 لغة مختلفة.

بدأ موقع يوتيوب بنسخته التجريبية في مايو (أيار) عام 2005 وافتتح رسميًا في ديسمبر من نفس العام، وسرعان ما لاقى انتشارًا كبيرًا حول العالم حتى وصلت عدد مشاهدات الموقع في منتصف 2006 إلى مليون مشاهد يوميًا؛ مما أغرى شركة جوجل Google وقامت بشرائها في أكتوبر (تشرين الأول) 2006، وأصبح إلى وقتنا هذا فرعًا رئيسًا لخدماتها.

لا تقتصر خدمات موقع يوتيوب على مجرد رفع مقاطع الفيديو وفقط، إنما يوجد خدمات ومميزات عديدة لموقع يوتيوب من الممكن أن نسرد لها مقالًا منفصلًا، ولكننا سنركز فى هذا المقال على خدمة قامت بإنشائها إدارة يوتيوب في ديسمبر 2007 مكنت مالكي الفيديوهات على يوتيوب من الربح من مقاطعهم المرفوعة على الموقع. هذه الخاصية أو ما يسمى ببرنامج الشراكة YouTube Partners كانت ولاتزال سببًا في در أرباح كبيرة جدًا على الكثير من مالكي الفيديوهات على موقع يوتيوب.

فما هو برنامج الشراكة وكيف يربح من خلاله أصحاب القنوات وما هو الخبر السيئ الذي حل بهم مؤخرًا؟

ربما لا يلحظ المستخدم العادى لمقاطع يوتيوب أن أي فيديو يقوم بمشاهدته هو ملك لقناة بعينها، لأن الكثير من المستخدمين يشاهدون مقطع الفيديو ثم يغلق الموقع أو ينتقلون لمشاهدة فيديو آخر، ولكن في حقيقة الأمر الفيديو الذي تشاهده هو عبارة عن مقطع يملكه أو قام برفعه شخص على قناة خاصة به. حيث يقوم موقع يوتيوب على عمل ما يسمى بقنوات YouTube Channels يستطيع أى مستخدم يرغب في رفع مقاطع فيديو خاصة به أن يقوم بإنشاء قناة باسمه، دون دفع أي مقابل، وبداخل هذه القناة يرفع ما يشاء له من مقاطع الفيديو. أحيانًا تكون هذه القنوات خاصة بشركات أو محطات إخبارية أو برامج تليفزيونية … إلخ، ولكن تظل أغلب قنوات يوتيوب ملكًا لأفراد عاديين أو شركات صغيرة، ولكي تشجع إدارة يوتيوب أصحاب القنوات على رفع الكثير من مقاطع الفيديو لزيادة عدد المشاهدات على الموقع قامت بعمل خاصية الشراكة Partners بحيث تمكن صاحب القناة من عرض إعلانات على الفيديوهات الخاصة به ويربح منها كلما شاهدها أو ضغط عليها المشاهد. وبذلك تكون إدارة يوتيوب قامت بمشاركة أرباحها مع أصحاب القنوات، فموقع يوتيوب يأخذ أموالًا طائلة نظير عمل إعلانات على مقاطع الفيديو المعروضة على الموقع، سواء كانت إعلانات تابعة لشركات كبرى أو منتجات خاصة بأفراد عاديين. فيقوم الموقع بإعطاء جزء من ربح الإعلان لصاحب الفيديو الذى سيظهر عليه هذا الإعلان حيث يتم حساب هذا الربح بطريقة معينة، ويظل الفيديو يربح كلما قام بمشاهدته أي زائر فقط لمجرد أنه سمح بعرض الإعلانات على الفيديو الخاص به.

ونظرًا لسهولة الربح من وراء تلك الخاصية، فقد أدى ذلك لقيام العديد من أصحاب القنوات ممن يسعون وراء الربح السهل السريع باستغلال هذا الأمر بشكل سيئ أخل بمحتوى الفيديوهات المعروضة وتكرار وسرقة المحتوى … إلخ من المخالفات؛ مما دفع إدارة يوتيوب لتغيير سياسة الموقع أكثر من مرة، والتي كان أشهرها المحافظة على حقوق الملكية، والتي أدت لحذف آلاف من المقاطع على يوتيوب، ولكن يبدو أن هذه السياسات الصارمة لم تكن كافية، حيث قام العديد من الشركات المعلنة مع يوتيوب بوقف التعامل مع يوتيوب في الآونة الأخيرة؛ لأنهم لاحظوا أن إعلاناتهم تظهر على مقاطع فيديو دون المستوى، وذات عدد مشاهدات ضعيفة؛ مما يجعل إعلانهم المدفوع به أموالاً طائلة يذهب هباءً. حتى إنه يشاع أن شركة بيبسى كانت من إحدى الشركات التي هددت بمنع إعلاناتها على يوتيوب، نظرًا لظهور إحدى إعلاناتها على مقطع فيديو خاص بتنظيم داعش الإرهابى.

فما كان من يوتيوب إلا أن أصدر يوم 6 أبريل (نيسان) 2017 حزمة سياسات جديدة صارمة خاصة ببرنامج الشراكة YouTube Partner ثم قام بتجديدها مرة أخرى يوم 18 أبريل (نيسان) 2017 أدت إلى حرمان الآلاف من أصحاب القنوات على يوتيوب من الربح من خلال فيديوهاتهم. فقد وضع يوتيوب شروطًا ستكون بمثابة شبة تعجيزية لأصحاب القنوات الصغيرة أو القنوات المنشأة حديثًا، ومن أهم وأصعب هذه الشروط أن القناة التي يقل عدد مشاهداتها عن عشرة آلاف مشاهدة لن تتمكن من المشاركة فى برنامج الشراكة، ولن يتم عرض إعلانات على أي من فيديوهاتها، وبالتالي لن تربح سنتًا واحدًا، وذلك ليتأكد يوتيوب من أن القناة لها مشاهدين وترفع مقاطع فيديو ذات مستوى جودة عال، وليست فيديوهات ضعيفة المستوى، حتى إنها أكدت على أنه حتى لو وصلت عدد مشاهدات القناة لأكثر من عشرة آلاف مشاهدة فسيقومون أولًا بمراجعة القناة ومحتوياتها للتأكد من مطابقة المحتوى لسياسة وشروط الموقع، وللتأكد من أن القناة قد حققت نسب مشاهدات فعلية، دون استخدام أية طرق ملتوية من أجل الوصول لعدد المشاهدات المطلوب.

وبالطبع ليس من السهل لأية قناة منشأة حديثًا جمع هذا العدد الكبير من المشاهدات في وقت قصير، إلا إذا كان قناة تابعة لجهة مشهورة مثل برنامج تليفزيونى أو قناة إخبارية … إلخ، أما القنوات العادية التي تملكها شركات صغيرة تسوق لمنتجاتها أو يملكها أفراد عاديون، فسيكون من الصعب عليها جمع هذا العدد الكبير من المشاهدات، إلا بعد عناء ورفع العديد من المقاطع الجذابة والعمل على التسويق لها لزيادة نسب مشاهداتها، وذلك بالطبع سيتطلب وقتًا طويلًا وجهدًا كبيرًا، وربما عمل إعلانات مدفوعة لليوتيوب من أجل تسويق فيدوهاتهم.

وكما يقول المثل القديم “مصائب قومٍ عند قومٍ فوائدُ”، ففي الوقت الذي خسر فيه أصحاب القنوات الصغيرة والقنوات الناشئة أموالًا كانوا قديمًا يجنونها بكل سهولة، سيصب ذلك الأمر في مصلحة القنوات المشهورة أو القنوات ذات المشاهدات العالية، فبعد أن كان المجال مفتوحًا سابقًا لأي فيديو من الربح، أصبح الآن – مع حرمان آلاف من الفيديوهات غير المطابقة للشروط الجديدة – عرض الإعلانات مقصورًا على فيديوهات القنوات الكبيرة لأن نسب مشاهداتها عالية؛ مما سيزيد نسبة الربح عليها ويكثر من الإعلانات المعروضة لديهم.

الواضح مما سبق ذكره أن موقع يوتيوب يهدف من وراء هذه السياسة الجديدة العناية بجودة المحتوى والتشديد على الارتقاء بمستوى مقاطع الفيديو المعروضة على الموقع حتى يرضى الشركات المعلنة، ويثبت لهم أن أموال إعلاناتهم ستوضع في المكان الصحيح أو بمعنى أدق ستوضع في القنوات الصحيحة، والتي لا تقل عدد مشاهداتها عن عشرة آلاف مشاهد.

ترى هل سيستسلم أصحاب القنوات الصغيرة أم سيهتمون بالفعل بإنشاء أو رفع فيديوهات ذات مستوى جيد، على أمل جمع نسب مشاهدة عالية، أم سيبحثون عن أي حلول أخرى ملتوية لزيادة عدد مشاهدات فيديوهاتهم؟

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد