يتجمع الأطفال يشعون نورًا وبراءة، يرسمون حلقة دائرية يشبكون أيديهم ويتحركون إلى الداخل فتضيق الحلقة، وإلى الخارج فتتسع الحلقة، يغنون في أثناء تلك الحركات المتتابعة لحنهم الزجلي الجميل «أمنا الغولة قرقش الفولة، بتعملي إيه؟»، ترد الطفلة المتقوقعة في الوسط المتوشحة عبثـًا وجه الغولة – أي الغوريلا- بغسل شعري، يعيد الأطفال الكرة ثانية، وترد عليهم بصوت رقيق: بحضر أكلي، تتعالى الضحكات لحنًا جميلاً لأغنية عذبة بصوت العصافير، ويستمر الأطفال في الأسئلة، وتجيب عليهم أمنا الغولة إلى أن يصلوا إلى السؤال الأخير من اللعبة التي يحفظونها ويكررونها بكل حب ومرح، تكشر الفتاه الغولة عن أنيابها المزعومة، وتفتح عينيها بقوه لتصطنع الدور بإتقان شديد، وتصيح بصوت أجش متصنع «بسن السكينة»، هنا ينطلق الأطفال وينفرط عقدهم يهربون يصرخون من أمهم الغولة التي ستهجم عليهم وتأكلهم بأسنانها الكبيرة.

تلك اللعبة المسلية التي كنا نلعبها صغارًا، أولادًا وبناتًا، نملأ بها ليالي الصيف الجميل صخبًا وضجيجًا وصراخًا، ونملأ بها شوارع مدننا القديمة ضحكات وركضًا ولعبًا. وكانت هذه الألعاب الجميلة تزداد جمالاً في ليالي شهر رمضان المبارك، أو حينما نشاركها مع أطفال قدموا إلينا في بلدتنا ضيوفـًا في إجازة الصيف، أو نزلنا عليهم ضيوفـًا في بلداتهم، وكأننا نشاركم شيئًا مشتركـًا أو حوارًا مشتركـًا أو لغة مشتركة.

ومرت سنوات وسنوات ويبدو أن شغفنا باللعبة تناقلته الأيام، أو حملته جيناتنا وذكرياتنا إلى عوالمنا الحديثة، انتقلت لعبتنا إلى أبنائنا وأحفادنا في صورة تواكب العصر والتقدم، ظهرت الأجهزة الذكية وتسللت إليها أمنا الغولة مرتدية وشاحًا أحمر مستطيلاً براقـًا يتوسطه مثلث صغير باللون الأبيض ومختزلة كل ملامحها في تلك الأيقونة السحرية الصغيرة.

لست أدرى ما السر الذي تحمله تلك الأيقونة السحرية التي ابتلعت أطفالنا من عمر العام والعامين، وواصلت ابتلاعها لهم طوال مرحلة الطفولة، بل امتدت أيضًا إلى مرحلة المراهقة والشباب وإلى آخر العمر.

يمسك الطفل بيديه الصغيرتين تلك الشاشة اللامعة، ويقلبها حتى يصل إلى أيقونته السحرية، فيلمس أمنا الغولة فتنطلق مغنية وضاحكة وراقصه وتسحب معها عين الطفل وعقله وقلبه؛ فيسكن ويهدأ ويصمت ويثبت ويغيب عنا ونغيب عنه، وما دامت أمنا الغولة معه، رضي بها ورضينا بها ونيسًا وجليسًا للطفل الصغير.

وإذا كنا في زماننا نلعب أمنا الغولة في جماعة وفريق، فهو يلعبها مفردًا منزويًا منكمشًا، وإذا كنا نجري ونلعب فهو يجلس ويسكن ولا يتحرك؛ فيزيد وزنه وتهاجمه الأمراض، ما السر ما السبب كيف يحدث ذلك الارتباط العجيب بين تلك الأيقونة السحرية وبين الطفل الذي لا يكاد يعرف من الدنيا إلا وجه أمه أو أبيه، لا يكاد يسمع أو ينطق إلا كلمات بسيطة وقليلة. كيف تسللت أمنا الغولة وملكت عليه روحه وعقله وملأت حياته وأوقاته؟ كيف خدرته وأسكنت حركته وأوقفت نشاطه وألجأته إلى أقرب ركن ساكنًا وادعًا مخدرًا.

كيف لنا وقد استأمنا أمنا الغولة على أطفالنا الصغار يقضون معها من الأوقات أكثر مما يقضون معنا، وكيف لنا وقد اشترت الأمهات أجهزة ذكية يخلو بها الأطفال ويستولون عليها عنوة، ويقضون بصحبتها جل يومهم وأعمارهم. يلتصقون بأجهزتهم طوال الليل والنهار، فلا ترشيد ولا توجيه ولا رقابة على محتوى مفتوح يحوي كل الغث وقليلاً من الثمين.

أرقب طفلتي متقوقعة على أريكتها مستغرقة في صحبة أمها الغولة أو «اليوتيوب»، لا تسمع، لا ترى، لا تتكلم. أقف حائرًا لا أدري ماذا أفعل، أحاول جاهدًا أن أداعبها تنهرني بشدة، إنها تستمتع بصحبة أمها الغولة أكثر مني. أتسلل على أطراف أصابعي أقطع الاتصال بالإنترنت، أسمع صراخها، تقذف بالجوال على الأرض وتواصل الصراخ والتمرد ترفض الاستسلام، شيئًا فشيئًا أدركت الحيلة وأدركت أني أيضًا من يحرمها من أمها الغولة.

بدأت أبحث وأقرأ وأستكشف فوجدت أن الأمر أعمق بكثير من التسلية واللعب والانشغال، إن أمنا الغولة تنقش في عقول أبنائنا وفي أرواحهم قيمًا وسلوكيات ستستمر معهم إلى الأبد، وأن الطفل في الثالثة حتى الخامسة يستكمل بنيانه العاطفي والإنساني الذي سيلازمه طوال حياته، إن ثلثي حجم المخ يتكون في الثلاث إلى الأربع سنوات الأولى من حياة الطفل، ويخزن فيه أنواع العواطف المختلفة، والصور والأصوات والحركات المختلفة، أدركت عمق المصيبة أو المأساة؛ فالتعليم في الصغر كالنقش على الحجر. وإذا كانت الإحصائيات تخبرنا أن 40% من الأطفال الصغار في أمريكا يشاهدون اليوتيوب فإن الوضع في عالمنا العربي قد يكون أسوأ كثيرًا. ومع أن هذا الوبال جاء إلينا من الغرب إلا أن الأولوية عندهم للكتاب وللقراءة، كتبت «دونالين ميلر» في كتابها الهامسون في الكتب، وهي معلمة بالمرحلة الابتدائية أن الطالب الضعيف يقرأ حوالي 20 كتابًا سنويًا، أما الطالب المتميز فيصل عدد الكتب التي يمكن أن يقرأها إلى 60 كتابًا سنويًا، هنا تتحدث ميلر عن طلاب المرحلة الابتدائية.

وعندها قررت الحرب على أمنا الغولة وحاولت جاهدًا إزالة تلك الأيقونة السحرية من أجهزة الأندرويد لديّ، فلم أفلح في ذلك، حتى إن تم حذفه أو إيقافه يقوم الطفل العبقري بالبحث مرة أخرى على جوجل بلاي وتنصيبه وتشغيله من جديد، اضطررت إلى إيقاف الجوجل بلاي وتعطيل الحساب، وجدت هناك تطبيقًا للأطفال من يوتيوب Kids Youtube أمنا الغولة في حجم أصغر، يقدم المتخصصون العديد من النصائح هي في مجملها ترشد المخاطر ولا تمنعها.

أخذت أفكر في جيل من الأطفال يربيه اليوتيوب كيف سيبدو بعد 15 عامًا من الآن؟ كيف سيكون وكيف سيحس ويشعر؟ هل سيصبح جيلاً مغنيًا أم راقصًا أم منزويًا أم ساكنًا وهادئًا؟ صعقت عندما أدركت أن كل طفل من هؤلاء سيتحول إلى أمنا الغولة، وستستنسخ تلك المأساة ملايين المرات، وستصبح وجوه البشر في شكل مستطيل يتوسطه مثلث أبيض، وسينطلق الجميع نحو برامج البث الحي في عالم غريب مليء بالصخب والإعجابات والمشاهدات، عالم استبدلت فيه المادية بالإنسانية واللايكات بالمشاعر، إنه عالم الإنسان المستباح «Homo Sacer»، والحياة العارية، عالم بيعت فيه العلاقات الأسرية الحقيقية بثمن بخس، وتحولت إلى علاقات وهمية مع أشباح في عالم افتراضي مليء بالأكاذيب والخواء والسفه.

وللحديث بقية

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات