من قال إن بناء المجتمعات حتمًا يحتاج إلى توافق بين عناصره البشرية قد يصل إلى حد الانصهار؟ ما هي إلا قولة متفلسف. من قال إن تفرد بعض البشر وتميزهم من الأمور المسلم بها وإلى هؤلاء المتفردين تحتاج الأمم؟ تلك قولة نرجسية. من قال إن النزاهة والشفافية هما الضمان الوحيد للرقي المجتمعي والإحساس بالعدالة والمساواة؟ تلك قولة من لا يملك سلطة. من قال إن العدو صار حبيبًا، والأخ غدا عدوًا وأن القيم التاريخية أصبحت لعنة على أصحابها وأننا إذ قتلنا أسودنا وقيدنا من بقي منهم بالسلاسل أصبحنا غثاءً لا قيمة لنا بين الأمم؟ لعلها قولة خائن للوطن.

أصبحت لا أكاد أصدق ما يتداوله الناس من حولي، بعد أن تبدلت ثوابتهم وتغيرت مفاهيمهم بعد أن جردهم منها إعلام لا يعرف الموضوعية. أشعر بدوار يضربني حين أسمع مثل تلك الجمل-التي صدرت بها حديثي- من أناس إن صدرت عن غيرهم، فلا يجوز بأي حال أن تصدر منهم. ولولا أنني ألمس سطح أرض المحروسة كل يوم بقدمي – ولعلي أفعل ذلك عن عمد – لظننت أنني ما عدت أقف على أرض تاريخها الأكثر إشراقًا والأكثر ألمًا في آن واحد.

متأسف أقول بأنها لم تعرف على مدار تاريخها، إلا قليلًا،غير الظلم ولم تُمكن منها إلا فاسدًا. أهرامها وقناتها وإنجازاتها ما تمت سوى بالسخرة والاستعباد، حتى غدا الإنجاز فيها مرهونًا بالقهر، فظن الشعب الكادح منذ بداية دورته التاريخية أن فطرته أن يُستعبد، وأيقن الحاكم أن لا طريق للإنجاز بغير إفراط في قسوة لا تحترم بنيان الله في الأرض،الإنسان.

ومنذ وطأت قدم البشري الأول الذي هاجر من المجاهل الأفريقية ليستقر عند مصب نهر قدسه وفرط فيه أبناؤه الآن، نعرفه بنهر النيل، ومن رحمه ولدت مصرنا التي تحيا فينا، ورغم الخيرات التي صُبت على رؤوس المصريين بما امتلكوا الأرض الأخصب في التاريخ، إلا أن الشعب لا يجد ما يأكله وفرعون يموت من التخمة وحاشيته تنهب الشعب باسمه.

إن يوسف الذي سُجن لعفته وطهارته في سجون الفرعون، هو الذي أنقد الله به أهل مصر من سنوات سبع عجاف كانت لتقضي على السلالة المصرية. وسجون مصر حتى هذه اللحظة لا زالت تكبل يوسف بالأصفاد، ليس لأنه نهب أموال البنوك أو تاجر في قوت الشعب، وإنما لأنه عرف معنى الأمانة والنزاهة وخلط الجهد والتخطيط بعرق العقود والأيام والليالي ليقيم تجارب اقتصادية ناجحة لها تأثير اجتماعي في المقام الأول، مثبتًا أن ثمة نموذجًا اقتصاديًا راقيًا يمكن أن يقوم على المصداقية.

ورغم اختلاف الاسم والصورة والحقبة التاريخية، إلا أن التهمة واحدة وغاية العزيز واحدة ليخفي عن العامة مساوءه الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، وخطيئته الأعظم حين راود الأنظمة التي تعادي الشعوب عن نفسها حين تغلقت أبواب النزاهة وتفتحت أبوب القتل الممنهج على أساس الهوية، وأبواب الزنازين لتقضي بالبطئ على من حلم بنهضة الأمة.

إنني أتحدث عن حسن عز الدين مالك التاجر الأمهر بين أقرانه، ليس فقط لأنه بريئ، ولكن لأن له من اسمه ما للعاشق من الورود، ولأن أدبه ودماثة خلقه شهد له بهما الغريم قبل النديم، ولأن وطنيته ورثها كابرًا عن كابر من جده ثم أبيه، وعبر عنها سنوات من السجن في عهد المخلوع، والآن في عهد الذي خرب بلادنا عن منهج ينتهجه لا يمكن للمدقق أن لا يراه.

والسؤال الجوهري الذي لا بد من طرحه، ماذا جنى النظام من حبس حسن مالك سوى هروب رؤوس الأموال والتوكيلات العالمية التي ترى أن حرية السوق قد تدهورت بشكل مرعب؟ وكيف لدولة حديثة أن تنهض بغير استثمارات أجنبية تُضخ على أراضيها فتنعش اقتصادها وتوفر أمانًا وظيفيًا لأبنائها؟

إنني أرى أن الظلم الواقع على حسن مالك، وغيره آلاف لا ذنب لهم سوى وطنيتهم الحقيقية، قد أحدث شقاقًا اجتماعيًا آتى ثماره خرابًا اقتصاديًا وديونًا للبنك الدولي وذلًا لسؤال الممالك العربية تسولًا، وهروبًا بغير رجعة للشركات العالمية، وصعوبة في إقناع التوكيلات العالمية للقدوم إلى أرضنا، أرض الظلم. ونتاج ذلك كله يلمسه المواطن المطحون غلاء في الأسعار وضرائب تطاله في بيته، حتى إننا قد ندفع ضرائب للتنفس في المستقبل القريب.

الأمر مؤلم حقًا ولا أحب أن أقول أن ذلك كله قد لا يكون إلا قرصة أذن تنبيهًا لعقاب سماوي قادم قد يطال الجميع، الظالم والمؤيد والشامت والساكت.

لله در أهله الصابرين المحتسبين، فإن تجلد أبناؤه الرجال، فكيف بزهرته الجميلة التي تبيت لياليها حالمة بفارسها الأول في الحياة. أتخيلها متصبرة ببث ورقاتها شكاتها في الوقت الذي صُمت فيه آذان مجتمع صارت الجبال ألين من قلبه، أراها بدمعاتها تكتب:

«ما أنا إلا فتاة مصرية فقدت والدها التي تعلم أنه يعاني آلام السجن وقسوة السجان في زنزانة انفرادية لا يمنعه غطاؤها من برد الشتاء القارص، ولا نافذتها الضيقة من لهيب الصيف الحارق، ولا يجد يدًا تعرف الإنسانية لتحنو عليه بطعام زكي ولا بدواء مسكن.

إنني أخاطب فيكم فطرة فطركم الله عليها، فطرة الخير والحب التي أهدانا الله إياها. حتمًا تتألمون إن تألم من تحبون وتعبس الحياة في وجوهكم إن هي عبست في وجوههم، فلماذا ترضون لي ولأحبابي ما لا ترضونه لأنفسكم وأحبابكم. إن فرعون الذي علا في الأرض وجعل أهلها شيعًا ليهتز عرشه من غضبتكم، فأساس عرشه مقام على شفا جرف هار سينهار به لحظة تنبهكم ووعيكم وعدم خوفكم.

إنني وإن أسموني أميرة المحاكمات لأنني ناهضت الظالمين منذ نعومة أظافري، إلا أن روحي مسلوبة مني تحلق هناك حيث أبي تحرسه، فمتي يعود إلي غائبي وحبيبي وقدوتي، فلست أرى الدنيا إلا من خلال عينيه، ومتى أضمه إلى قلبي طويلًا، أمازحه وأضاحكه وأشم عطره الذي ما فارقني، وأصلي خلفه ثم يمسك بمقدم رأسي يدعو الله لي بالخير والبركة.

يا قومي هذه رسالتي إليكم قبل فوات الأوان، أطلقوا يوسف أبي فالسنوات العجاف قادمات وما رأيتموه عيانًا في السنوات الماضيات دليل أكيد على قدومهن، وإن أبي حسن ومن معه في السجن لقادرون – بإذن الله- على أن لا تمر هذه السنوات العجاف إلا وأنتم أعلي قيمة من بني جنسكم في كل دول العالم. كفاكم ما أكلتم من أسودكم فالمجتمع العالمي قد امتلأ بالذئاب، فأطلقوا ما بقي من أسودكم ليمزقوا تلك الذئاب، ويقضوا على الجهل والفقر والمرض وليعيش المصري شامخ الرأس مقدرًا في وطنه عزيزًا خارجه. ألا فاسمعوا وعوا يرحمكم الله».

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد