فكيف للدولة أن تسمح بسجن من طالب بماء الشرب؟ وما جريمة السكان حتى يعاقبوا بالعطش؟

عجت في الآونة الأخيرة صفحات الصحف المغربية الورقية والإلكترونية بمجريات ثورة العطش التي اندلعت بمنطقة زاكورة والمداشر التابعة لها، وهي المنطقة الأكثر تهميشا بالمغرب حيث تعرف أكبر نسبة هجرة لسكانها لجميع مدن المملكة، بعد توالي الاحتجاجات و رفع شعارات على غرار “ من زاكورة الأبية للحسيمة تحية”.. كما اعتقل على اثر هذه الأحداث أزيد من 20 محتجا أغلبهم قاصرين والعدد مرشح ليتضاعف لاسيما وأن شرارة الاحتجاج التي ما تزال مشتعلة و تمتد. صدرت في حق 5 من المعتقلين أحكام ثقيلة بالسجن والغرامة بعد أزيد من 13 ساعة من المداولةوسط ذهول المنظمات الحقوقية و المهتمين بالشأن الحقوقي بالمغرب ككل فيما ينتظر8 الآخرون مصيرا مجهول في محكمة الاستئناف بمدينة ورزازات الأقرب إلي مدينة زاكورة.

وبذلك نجح الإعلام البديل في لفت الانتباه العالمي لهذه القضية التي طالما عانت منها المدينة لسنوات طويلة تحت تعتيم الإعلام الوطني الرسمي، ودون تدخل من الدولة لحل المشكل، حينها فقط سارعت الدولة بكل أجهزتها لتهون من الأحداث هناك رغم خطورتها. إذ رفضت أن تسميه “ثورة العطش” بل لا يعدوا أن يكون مشكل عارضا غير متحكم فيه سيتم حله استراتيجيا حسب الوزيرة المنتدبة المكلفة بالماء التي قامت بزيارة مستعجلة لمنطقة زاكورة. بل إن رئيس الحكومة لم يجد إلا الاعتذار لسكان هذه المنطقة وهو على علم بأبنائهم الذين مازالوا رهن الاعتقال في انتظار المحاكمة. لاسيما وأن تداعيات احتجاجات الريف ما تزال ترخي بظلالها في أحداث شتى بالمملكة امتدت إلى إعفاء عدد من الوزراء والمسؤولين من طرف ملك البلاد بعد أن بينت تقارير أنهم “قصروا ” فيما كلفوا به في مشروع ” الحسيمة منارة المتوسط”.

فكيف للدولة أن تسمح بسجن من طالب بالماء الشروب وما جريمة السكان حتى يعاقبوا بالعطش؟؟

لكن إشكالية الماء – وهو من بين الحقوق الأساسية التي لا يمكن التفاوض بشأنها – ليس الوحيد التي تؤرق سكان المنطقة بل هي نتيجة لسياسية فشلت في تحقيق “التنمية” لسنوات طويلة، بل ما تزال الاحتجاجات في جماعات تابعة لإقليم زاكورة كجماعة “أولاد يحيى لكراير” التي تعتبر استثناء حقيقي على المستوى الوطني.

فبعد مضي أزيد من 20 سنة على تأسيسها لم تستطع حتى الآن تحقيق أدنى شروط العيش الكريم لساكنتها، من الماء الشروب، الإنارة العمومية، المركز الصحي، دار الأمومة والملاعب الرياضية وغيرها مما يدخل في اختصاصات الجماعة حسب القانون المنظم لها (قانون رقم 112.12) بالإظافة إلى مشاريع التنمية البشرية التي لم يتحقق منها شيء بالمنطقة. ليتأزم الوضع في السنوات الأخيرة بعد أن توقفت عدد من المشاريع التي استنزفت ميزانيات الجماعة لسنوات متتالية وتبخرت معها آمال ساكنة يفوق تعدادها 12 ألف نسمة في تنمية منشودة كل ذلك تحت أعين عامل الإقليم. تتوالى بعدها النكسات وخيبات الأمل ولا يكاد يرى المواطن هناك إلا فتات مشاريع لا تكتمل وتتبخر ملايين الدراهم، هذا ما كشفته خلافات المجلس الجماعي الأخير الذي عاش ويعيش “بلوكاج” توقف غير مبرر لتتولى عمالة الإقليم تسيير الجماعة في سابقة هي الأولى من نوعها على المستوى الوطني، فتفوت على ساكنة الجماعة المزيد من فرص التنمية مادام من صوت على عليهم الساكنة كل همهم هو مصالحهم الشخصية الضيقة. مما أجج ويؤجج كل يوم الاحتجاجات بالمنطقة والتي تنذر بالاسوء، في ظل صمت عمالة زاكورة غير المبرر عما يقع هناك، حيث تكتفي بإرسال سيارات القوات العمومية لتطويق المحتجين.

إن مشكل الماء بالمنطقة لا يعدوا أن يكون الشجرة التي تخفى وراءها غابة من الإشكالات العميقة والتي تمس الحق الدستوري في العيش الكريم للساكنة، ونقص الخدمات الأساسية. مشاكل سببها سوء التدبير لسنوات طويلة وتضييع حقوق المواطنين هناك. وما تزال الدولة كما دأبت على ذلك منذ عقود طويلة دون محاسبة للمسؤولين و لتحفظ كرامة المواطنين و حقوقهم الكونية و العالمية ز الدستورية أيضا.